الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تفكك السيادة في النظام العالمي: قراءة تأملية في لحظة مادورو

بواسطة azzaman

تفكك السيادة في النظام العالمي: قراءة تأملية في لحظة مادورو

نهاد الزركاني

 

1. الواقعة بوصفها علامة

لا تكتسب واقعة اعتقال نيكولاس مادورو أهميتها من شخصية الرجل أو من سجله السياسي، بل من كونها علامة دالّة على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي.

فالحدث، حين يُفصل عن ضجيجه الإعلامي، يكشف انتقالًا من عالم تُدار فيه السلطة عبر مفاهيم السيادة والشرعية، إلى عالم تُمارَس فيه القوة باعتبارها حقًا سابقًا على أي تعريف قانوني. ما جرى ليس استثناءً، بل ممارسة كاشفة لما كان مستترًا.

2. التهمة كأداة لغوية

التهم الموجهة { مخدرات، إرهاب، فساد } لا تعمل هنا بوصفها أوصافًا قانونية، بل باعتبارها بنى لغوية جاهزة. إنها مفردات ذات قابلية عالية للتداول، تُستخدم لا لإثبات الجرم، بل لتجريد الخصم من الحماية الرمزية التي يمنحها له موقعه السيادي.في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل التهمة صحيحة؟

بل: هل التهمة ((صالحة للاستخدام السياسي))؟ اللغة لم تعد وسيطًا بين {الواقع والقانون}، بل صارت أداة لإنتاج واقع بديل، يُسبق فيه الحكم على الفعل.

3. أفول القانون الدولي كمرجعية

كان القانون الدولي، في لحظة نشأته، محاولة عقلنة للقوة؛

وعدًا بإخضاع العنف لقواعد،

وتحويل الصراع من ساحة الغلبة إلى ساحة النص. غير أن هذا الوعد تآكل تدريجيًا، حتى بلغ لحظة الانكشاف الكامل حين وقف العالم عاجزًا أمام الإبادة الجماعية في غزة. هناك، لم يفشل القانون الدولي فقط، بل فقد معناه العملي. منذ تلك اللحظة، لم يعد خرق القانون الدولي استثناءً، بل صار الوضع الطبيعي حين تتعارض القاعدة مع مصلحة القوة.

4. من محاسبة الحاكم إلى ( إهانة المنصب)

الخطير في واقعة مادورو ليس استهداف شخص، بل كسر رمزية المنصب السيادي ذاته.

حين يُعامل رئيس دولة بوصفه جسدًا يمكن سحبه وإخضاعه خارج أي إطار دولي متوافق عليه!!!، فإن الدولة نفسها تُعاد صياغتها بوصفها كيانًا هشًا قابلًا للتجاوز.

هنا تنتقل السلطة من إدارة العلاقات بين الدول إلى ممارسة السيطرة المباشرة على رموزها.السيادة لم تعد مفهومًا قانونيًا، بل درجة متفاوتة من القبول داخل النظام العالمي.

5. الطغيان حين (يستغني عن التبرير)

ما يميّز هذه اللحظة التاريخية أن الطغيان لم يعد بحاجة إلى خطاب أخلاقي. لم يعد يختبئ خلف شعارات الديمقراطية أو حقوق الإنسان،بل يعلن نفسه بصيغة أبسط:نحن نفعل لأننا نملك القدرة.

والأكثر دلالة هو صمت الأنظمة الأخرى؛ أنظمة تدرك أن ما جرى ليس بعيدًا عنها، لكنها تتعامل معه كحدث خارجي، متناسية أن الفارق بينها وبين الضحية ليس أخلاقيًا، بل وظيفيًا وزمنيًا.

6. خاتمة: سؤال السيادة المؤجل

لسنا أمام سقوط حاكم،

بل أمام تفكك تدريجي لمفهوم الدولة في النظام الدولي.

عالم تُدار فيه السيادة بوصفها امتيازًا قابلًا للسحب،

وتُختزل فيه الشرعية إلى مقدار النفع، ويُعاد فيه تعريف العدالة بما يتوافق مع موازين القوة.

في هذا العالم، لا يُطرح السؤال:

من هو العادل؟

بل: من هو القادر؟

وذلك، في جوهره ((إعلان عن عصر ما بعد القانون))


مشاهدات 162
الكاتب نهاد الزركاني
أضيف 2026/01/06 - 11:28 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 2:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 5223 الكلي 13112646
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير