التخطيط يسبق واقعه.. طريق الدورة - اليوسفية
أيمن المعيني
عندما افتُتح طريق الدورة–اليوسفية، استبشر أهالي المناطق المحيطة خيرًا، باعتباره مشروعًا خدميًا طال انتظاره، يعالج اختناقات مرورية مزمنة ويمثل امتدادًا طبيعيًا لشبكة الطرق السريعة في بغداد. غير أن ما تلا الافتتاح كشف عن إشكالية أعمق، لم تكن في الطريق ذاته، بل في كيفية إدارة الأرض المحيطة به.
منذ الأيام الأولى للافتتاح، صدرت تصريحات رسمية متباينة حول مصير جانبي الطريق، وتراوحت الأحاديث بين محرمات، واستحواذات، ومخططات تطوير واسعة النطاق.
واقع قانوني
هذا الغموض لم يكن مجرد خلل في الخطاب، بل انعكس مباشرة على الواقع القانوني والاقتصادي للأراضي، وخلق حالة من الإرباك والقلق لدى المُلّاك.
المشكلة لم تكن يومًا في مبدأ التطوير أو التنظيم العمراني، فالجميع يقرّ بأن المنطقة بحاجة إلى تخطيط حديث يمنع العشوائيات ويرفع مستوى الخدمات. لكن الإشكال الحقيقي ظهر عندما طُرحت مخططات شمولية ضخمة لا تراعي طبيعة الملكية في المنطقة، حيث إن أغلب الأراضي مجزأة، وتضم عشرات المُلّاك، ولكل منهم سندات رسمية وإجازات بناء صادرة من الجهات المختصة منذ عقود.
هذه المخططات، بصيغتها المطروحة، غير قابلة للتنفيذ من قبل المُلّاك أنفسهم، ولا حتى من قبل أكبر التجار المحليين، لأنها تفترض وجود مستثمر واحد يمتلك رأس مال ضخم وقدرة على تجميع مساحات واسعة، وهو افتراض لا يعكس الواقع. وبدل أن تكون المخططات أداة تمكين، تحولت عمليًا إلى عامل تعطيل: فلا المالك قادر على التطوير، ولا قادر على البيع بحرية، ولا حتى قادر على التخطيط لمستقبل أرضه.
النتيجة كانت واضحة في السوق. فبعد ارتفاع كبير في أسعار الأراضي مع اقتراب إنجاز الطريق، دخلت المنطقة في حالة ركود مفاجئ. تراجع الطلب، وانخفضت الأسعار، وبدأت تظهر عمليات شراء انتقائية بأسعار أقل، في ظل مناخ من الخوف وعدم اليقين. وبذلك تغيّرت طبيعة السوق من سوق مفتوحة متعددة الأطراف إلى سوق ينتظر فيها المالك ويترقّب، بينما يملك الطرف الأكبر قدرة الانتظار والشراء في الوقت الذي يناسبه.
ما يزيد من تعقيد الصورة هو الخلط الذي جرى بين مفهوم “العشوائيات” وبين الملكيات القانونية الثابتة. فالعشوائية ظاهرة معروفة ولها معاييرها، لكن تعميم هذا الوصف على مناطق يملك سكانها سندات رسمية وإجازات بناء لا يخدم القانون ولا الاستقرار الاجتماعي، بل يفتح بابًا للظلم وسوء الفهم، ويُضعف الثقة بالإدارة العامة.
مخططات تطوير
إن التنمية الحضرية الحقيقية لا تقوم على الضغط ولا على الغموض، بل على الشفافية والشراكة. وإذا كانت الدولة ترى في هذه المناطق مستقبلًا عمرانيًا واعدًا، فإن الطريق الأسلم هو إشراك المُلّاك في القرار، وتقديم نماذج تطوير مرنة وقابلة للتنفيذ المرحلي، تحفظ الحقوق وتمنع الفوضى في آن واحد.
الخاتمة
إن ما جرى في محيط طريق الدورة–اليوسفية، وما تلاه من طرح مخططات تطوير واسعة، ثم تكرار الخطاب ذاته عند الحديث عن أخذ (500 متر يمينًا و500 متر يسارًا) على امتداد طرق أخرى مثل مدخل بغداد من جهة التاجي، يضع صانع القرار أمام مسؤولية مضاعفة. فالتجربة أثبتت أن التخطيط الذي لا ينطلق من واقع الملكيات القائمة ولا يوفّر أدوات تنفيذ عادلة وقابلة للتطبيق، يتحول عمليًا إلى عامل تعطيل وضغط اقتصادي بدل أن يكون محرّكًا للتنمية. المطلوب ليس التراجع عن التطوير، بل إعادة صياغته على أسس تشاركية واضحة، تميّز بين محرمات الطريق والتنمية الاستثمارية، وتحفظ حق المالك، وتمنع المضاربة، وتعيد الثقة بين المواطن والدولة. عندها فقط يمكن أن تتحول مشاريع الطرق من إنجازات هندسية إلى نماذج تنمية متوازنة تُحسب للحكومة لا تُحمَّل عليها.
مهندس