وردة تفتحتْ رغم قسوةِ الظروف
ثامر مراد
ها هي الوردة، وحيدةً في أرضٍ جافة، حيث لا ماءَ يسقيها ولا نسيمَ يحملُ إليها العزاء، تفتحتْ رغم قسوةِ الظروف، وكأنها تُعلنُ بصوتٍ خفيٍّ أن الحياةَ لا تستسلمُ لليأس، وأن الجمالَ يمكن أن ينبثقَ حتى من قلبِ القحط. كانت تربتها قاسيةً، وأحاطَ بها صخرٌ لا يلين، لكنها لم تعرف التراجع، بل مضت تُرسلُ جذورَها عميقًا، تتغلغلُ في الأرضِ العنيدةِ تبحثُ عن قطرةِ ماء، عن فسحةِ أملٍ، عن بصيصِ حياةٍ في ظلمةِ الجفاف.
لم تشتكِ الوردةُ يومًا من قيودها، لم تتذمّر من الرياحِ العاتيةِ التي كانت تحاولُ اقتلاعَها، ولم تخضعْ للظروفِ التي أحاطتْ بها من كلِّ جانب. كانت الرياحُ تصرخُ حولها، تعصفُ بأوراقها، تعبثُ بسيقانِها الرقيقة، لكنها كانت تتمايلُ مع الريحِ ولا تنكسر، كأنها تعلّمُ الكونَ أن الصمودَ ليسَ في مقاومةِ العاصفةِ فقط، بل في التكيفِ معها، في البقاءِ رغم محاولاتِ الاقتلاعِ والطمس.
وذاتَ صباح، حيثُ الفجرُ لم يزلْ يترددُ بينَ ظلالِ الليل، أزهرتِ الوردةُ بألوانٍ زاهية، تُعلنُ انتصارَها على كلِّ القيود، تتفتحُ رغمَ الأشواكِ التي تحيطُ بها، وكأنها تقولُ للعالمِ إن الجمالَ ليسَ وليدَ الراحة، بل ثمرةُ المعاناةِ والنضال. كم من الأيدي مرتْ بها ولم تلتفتْ إليها، وكم من العيونِ نظرتْ إليها دون أن ترى صراعَها الصامت، لكنها بقيتْ هناك، شاهدةً على أن الحياةَ تُمنحُ لمن يُصرُّ على أن يعيشَها، ولمن يعرفُ كيفَ يحوّلُ المحنَ إلى مواطنِ قوة.
تلكَ الوردةُ ليستْ مجردَ زهرةٍ نبتتْ في أرضٍ قاحلة، بل هي رمزٌ للصبرِ والمقاومة، هي صدى صوتِ كلِّ من عاندَ القهرَ وأبى أن ينحني، هي درسٌ لمن اعتقدَ أن الانكسارَ هو النهاية. في عالمٍ يميلُ إلى الاستسلامِ أمام الصعوبات، جاءتْ هذه الوردةُ لتكونَ شاهدًا على أن الإرادةَ أقوى من أيِّ عثرة، وأن الأملَ قادرٌ على شقِّ طريقهِ حتى في أحلكِ الليالي.
لقد علّمتنا هذه الوردةُ كيفَ يكونُ النضالُ في صمت، وكيفَ يكونُ الإصرارُ على الحياةِ رغمَ كلِّ شيء.
علّمتنا كيفَ نزرعُ الفجرَ في أرضٍ لم تعدْ تعرفُ معنى النور، وكيفَ نحملُ بداخلنا بريقَ الأملِ حتى حينَ تشتدُّ الظلمة. قد يكونُ العالمُ قاسيًا، وقد تتكاثرُ العثراتُ أمامنا، لكنّ الصبرَ يُثمرُ، والإصرارَ يُنتجُ معجزةً لا يعرفُ سرَّها إلا من عانى وانتصر.
وهكذا، ستبقى تلك الوردةُ رمزًا خالدًا للصمود، تذكيرًا بأن القلبَ الذي يحملُ الأملَ لا ينحني، وبأن الأرواحَ التي اعتادتْ العتمةَ يمكنها أن تصنعَ من نورِها الداخليِّ شمسًا لا تغيب