الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الضلوعية .. صمود في وجه الظلّام

بواسطة azzaman

الضلوعية .. صمود في وجه الظلّام

عمار مامند زيباري

 

-نقطة البداية : السياق الزمني والسياسي

 

لم تكن الضلوعية بداية القصة ، بل كانت نتيجة لحظة فارقة في العراق ؛ سقوط الموصل صيف 2014 .

هذا الانهيار لم يكن حدثاً محلياً ، بل شرارة فراغ أمني هائل ، استغله تنظيم داعش للتمدد نحو محافظات الوسط ، واضعاً مدناً مثل الضلوعية أمام خيارين ( الاستسلام أو الصمود ) .

 

-سقوط المدن وبداية الاختبار

 

صيف 2014 لم يكن صيفاً عادياً

مع سقوط الموصل ، انهارت خطوط الدفاع ، وتحولت المدن إلى فراغ أمني مفتوح .

الضلوعية الصغيرة على ضفاف دجلة ،  أصبحت عقدة حساسة ؛ سقوطها يعني فتح طريق خطر باتجاه بغداد وما بعدها .

ومع تصاعد التهديد ، كان السؤال واحداً : هل ستسقط المدينة ، أم سيحدث شيء مختلف؟

 

-اقتراب الخطر

 

توسّع سيطرة داعش جعل التهديد واقعاً ملموساً

الضحاية لم تكن نظرية بعد الآن ، والمدينة بدأت الاستعداد ، ليس لإمكاناتها ، بل لخياراتها ( الاستسلام أو المواجهة) .

 

-قرار القتال : حين يبدأ كل شيء من فردٍ واحد

 

في لحظة الانسحاب كانت الخيار الأسهل ، إتخاذ اللواء الركن عبد العليت قراراً مختلفاً .

حيث لم ينتظر تعزيزات ، ولم يراهن على الدعم ، وإنما القتال داخل الضلوعية ، مدركاً أن القرار قد يعني نهاية شخصية قبل أن يكون موقفاً عسكرياً ؛

( من القرار الفردي إلى الدفاع الجماعي ) .

 

مع قرار اللواء عبد العليت ، انضم إليه الآخرون ( أفراد العائلة ، عشيرته ، رجال من المدينة ، ثم مقاتلون من محافظات مختلفة ).

لم يكن الدفاع عن الضلوعية محلياً  فقط ، بل مواجهة مشروع عنف عالمي .

شهداء من خارج العراق ، منهم مصريون ، قاتلوا إلى جانب أبناء المدينة ، ليؤكدوا أن المعركة لم تكن محلية فحسب ، بل جزء من صراع أكبر ضد التنظيم الإرهابي .

 

-حين تتشابه القرارات رغم اختلاف الجغرافياً

 

رغم الفجوة السياسية والاجتماعية ، كان صمود الضلوعية يشبه انتفاضة عاموداً وصمود كوباني ؛ قرار فردي يتحول إلى فعل جماعي ، وإدراك أن الاستسلام لا يقل كلفة عن القتال ، بل قد يكون أكثر فداحة.

 

-الضلوعية خارج القوالب الجاهزة

 

لم تكن المعركة دفاعاً عن هوية ضيقة ، بل عن حق المدينة في الوجود .

ربطها بتجارب كوباني وعاموداً و الأشرفية والشيخ مقصود ، ليس تشبيهاً فحسب ، بل ضرورة لفهم أن ما واجهته هذه المدن كان مشروع إلغاء واحد وهو كسر الإرادة المحلية بالقوة .

 

-المرحلة الأقسى : الحصار

(حين يُغلق المكان … ويبدأ الاختبار الحقيقي)

 

الحصار هو اللحظة التي يُختبر فيها صدق القرار ؛

في الضلوعية ، تحولت المدينة إلى جزيرة محاصرة مع شُحّ السلاح والمؤن ، والضغط النفسي المستمر على المدنيين.

 

-شُحّ السلاح … حين تُعاد كتابة معادلة القوة

 

المواجهة لم تُقاس بعدد البنادق ، بل بقدرة المقاتلين على الاستمرار.

والانتصار لم يكن هدفاً فورياً ، بل منع الانكسار وكسب الوقت ، لأن الزمن صار سلاحاً .

 

-المدنيون في قلب المعركة

 

الأطفال ، النساء ، كبار السن ؛ كانوا جزءاً من المعركة اليومية ،وقرار الدفاع أصبح مرتبطاً مباشرة بحياتهم ، فلا خطأ يُغتفر .

 

-الكلمة كجبهة موازية : دور رجال الدين والمثقفين وقادة الفكر

 

لم يكن السلاح وحده ما أبقى الضلوعية واقفة

فالمعركة ، إلى جانب بعدها العسكري ، كانت اختباراً نفسياً وأخلاقياً قاسياً ، خصوصاً في ظل الحصار وطول أمده.

 

ففي تلك اللحظات ، برز دور رجال الدين في تثبيت المعنى الأخلاقي للصمود.

الا أن خطبهم ومجالسهم المحدودة داخل المدينة المحاصرة لم تُستخدم للتحريض أو شحن الغرائز ، بل لتهدئة النفوس ، ومنع الانهيار الداخلي ، وربط القتال بواجب الدفاع عن الحياة والكرامة ، لا بالانتقام أو الإقصاء .

كان الخطاب موجّهاً لحماية المجتمع من التفكك بقدر ما كان موجّهاً لمواجهة العدو .

 

بالتوازي ؛ لعب المثقفون وأصحاب الرأي دوراً أساسياً في تعبئة الوعي العام .

النقاشات ، استحضار التجارب التاريخية ، ومحاولة تفسير ما يجري ضمن سياق أوسع ، ساعدت على منع تحوّل الخوف إلى يأس ، والصمود إلى حالة انتحارية .

هؤلاء لم يحملوا السلاح بالضرورة ، لكنهم حملوا المعنى ، وأسهموا في بناء وعي يدرك أن ما يحدث ليس حدثاً عابراً ، بل لحظة مفصلية في تاريخ المدينة .

 

أما قادة الفكر المحليون ، من معلمين وأكاديميين ووجهاء ، فقد شكّلوا حلقة توازن بين الجبهات والمجتمع ؛ وأسهموا في تنظيم الأولويات ، ترشيد الموارد ، وضبط الإيقاع الداخلي للمدينة ، مؤكدين أن الصمود لم يكن اندفاعاً أعمى ، بل خياراً عقلانياً فرضته الضرورة .

 

بهذا ، تحوّلت الضلوعية إلى مجتمع مقاوم متكامل :

(السلاح في الجبهات ، والكلمة في الوعي ، والقيمة في القرار ) .

 

 

-الصمود حين يطول الزمن

 

الأخطر لم يكن الخوف أو الجوع ، بل الإحساس بأن النهاية قد لا تأتي قريباً .

الصمود لم يكن لحظة بطولية عابرة ، بل مسار طويل من التحمل ، مشابه لكوباني وعاموداً ، حيث القرار الواضح ( البقاء أو الاختفاء ).

 

-زورق كسر الحصار

النهر ، الذي بدا حداً جغرافياً أصبح شريان حياة

الزورق نقل المؤن الذخيرة وأخرج الجرحى للعلاج في بغداد أو أربيل رغم الخطر المستمر من مراقبة داعش.

حيث كان كسر الحصار شبكة ثقة وإرادة مشتركةتضمن أن المدينة لا تُترك وحدها حتى وهي محاصرة .

 

 

-وجوه الصمود رجال كبار ، طيور الجنة ، والشهداء

 

في مقدمة الجبهات وقف رجال كبار في السن وواجهوا الخطر بلا رهبة بينما قاتل الشباب في مقتبل العمر الذين أُطلق عليهم لاحقاً (طيور الجنة) بشراسة ووعي يفوق أعمارهم .

 

فكانت هناك عائلات فقدت أكثر من فرد وأكبر المقاتلين سناً الذي استشهد سمّاه الناس شيخ الشهداء رمزاً للصمود الذي لا عمر له .

حتى الموت لم يكن طبيعياً أثناء الحصار لم يُدفن الشهداء في المقبرة بسبب سيطرة داعش بل أُسلموا كأمانة للتراب ثم بعد التحرير أُنشئت لهم مقبرة خاصة .

وكل شهيد له قصة : منها قصة عبد الواحد إبراهيم الجبوري الذي ألقى بنفسه على رمانة يدوية لحماية رفاقه لتنفجر به وحده وينجو البقية .

 

-التحرير وما بعده : ماذا بقي من التجربة

 

مع التحرير لم تنته المعركة على الأرض بل بدأت قراءة أثر الصمود .

ما بقي ليس خرائط أو حطام بل وعي جماعي متين  (التضامن ، قدرة المجتمعات على قول (لا) والحفاظ على كرامتها وسط ظروف استثنائية).

كل شارع حرّرته المدينة وكل شهيد وكل رحلة بالزورق صاروا رموزاً على أن الإرادة الصلبة تتجاوز حدود المكان والزمن .

 

-الضلوعية والذاكرة : صمود يُكتب في التاريخ

 

الضلوعية ليست مجرد مدينة أو موقع استراتيجي بل درس خالد في الذاكرة الجماعية .

ربطها بعامودا وكوباني يُثبت أن الصمود ليس لحظة عابرة بل حق محفوظ في التاريخ .

الإنصاف التاريخي يبدأ بالاعتراف بالمقاومة الصامتة وبكل لحظة صمود تُكتب بعيداً عن الضجيج السياسي ليبقى الحدث محفوظاً  في ذاكرة الأجيال .

 

الضلوعية كما كوباني وعاموداً والأشرفية و الشيخ مقصود تعلمنا أن الصمود ليس مجرد فعل عسكري بل موقف وجودي وإنساني .

إنها قصة قرارات فردية تتحول إلى فعل جماعي وحياة محمية رغم الخطر وذاكرة تحفظها الأيام .

في كل زاوية من المدينة وفي كل قبر شهداء وفي كل قصة بطولة صغيرة أو كبيرة نجد رسالة واحدة أن الإنسان قادر على الصمود وأن الحق في الوجود لا يُلغى بالقوة أو الترهيب بل يُصان بالإرادة والشجاعة .

 

 

-ملحق قصصي : أبطال الضلوعية

 

1. الشهيد أبو طويلة

كان طويل القامة يبرز بين المقاتلين بحضوره الجسدي لكنه لم يكن طولاً فقط بل طولاً في الموقف والإرادة.

خلال قنص مباشر من داعش عُرض عليه أن ينحني ليحمي نفسه لكنه رفض وقال بكل شجاعة :

سأموت واقفاً ” رمز للشرف والمقاومة حتى النهاية .

 

2. الشهيد يوسف محمد نصيف الجبوري

في أحد الشوارع كان الجميع يردد الأخبار عن تفاوض محتمل لتسليم السلاح إلى داعش ورفض  أي خيار للتسليم وقرر القتال .

وقف يوسف في منتصف الشارع وقال:

سأستلم المديرية ، وسأحارب داعش

تجسيد للإرادة الجماعية والتصميم على الدفاع عن المدينة رغم الخطر.

 

3. الشهيد عبد الواحد إبراهيم الجبوري

خلال اشتباك على مسافة قريبة ألقى بنفسه على رمانة يدوية لحماية رفاقه لتنفجر به وحده وينجو البقية .

رمز للتضحية القصوى وحماية الحياة الجماعية على حساب الحياة الفردية .


مشاهدات 94
الكاتب عمار مامند زيباري
أضيف 2026/03/07 - 2:34 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 6:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 290 الشهر 5721 الكلي 14959790
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير