الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في فلسفة (الصمت الحكيم) للسيد السيستاني تجاه الأزمات الإقليمية

بواسطة azzaman

قراءة في فلسفة (الصمت الحكيم) للسيد السيستاني تجاه الأزمات الإقليمية

سعاد حسن الجوهري

 

​في ظل التصعيد المستمر في المنطقة، تعود إلى الواجهة تساؤلات يطرحها البعض حول طبيعة موقف المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف متمثلة بالسيد علي السيستاني من الصراعات الكبرى. وبينما يذهب تيار لوصف هذا الموقف بـ(التخاذل) لعدم الانخراط المباشر في الخطاب العسكري للدفاع عن (محور المقاومة) أو الجمهورية الإسلامية تكشف القراءة العميقة للمشهد عن رؤية استراتيجية وفقهية مغايرة تماماً، لا تقاس بمعايير الانفعال اللحظي بل بموازين المصالح العليا.

​أولاً: تمايز المدارس.. (لولاية) بين الإطلاق والتقييد

​إن جوهر الخلاف في الفهم ينبع من عدم استيعاب الفوارق الجوهرية بين مدرسة قم ومدرسة (النجف) فبينما تتبنى إيران نظرية (ولاية الفقيه المطلقة) التي تجعل من القائد الديني رأساً للدولة ومحركاً لجيوشها، تلتزم مرجعية النجف بنظرية (ولاية الأمة على نفسها).

بالنسبة للسيد السيستاني المرجعية هي (صمام أمان) و(جهة إرشادية) وليست سلطة تنفيذية عابرة للحدود. لذا، فإن عدم تدخل النجف في القرارات السيادية الإيرانية ليس تخلياً بل هو احترام لاستقلال الدول وهوياتها الوطنية.

​ثانياً: فتوى الجهاد الكفائي.. الرد العملي على تهمة الضعف

​من الظلم التاريخي وصف مدرسة السيستاني بالتخاذل، وهي التي أطلقت عام 2014 (فتوى الجهاد الكفائي) التي لم تنقذ العراق فحسب بل منعت انهيار المنطقة برمتها أمام تمدد تنظيم داعش. هذا التحرك أثبت أن المرجعية حين تستشعر خطراً وجودياً على (بيضة الإسلام) أو الإنسان فإنها تتحرك بفاعلية تفوق الجيوش النظامية. إلا أن هذا التحرك محكوم دائماً بكونه (دفاعياً) داخل الحدود الوطنية، وليس (هجومياً) في صراعات إقليمية معقدة.

​ثالثاً: العراق كساحة استقرار لا ساحة تصفية

​يدرك السيد السيستاني أن العراق يمر بمرحلة نقاهة هشّة. فانخراط المرجعية في دعوات حربية مباشرة ضد قوى  (الولايات المتحدة) دفاعاً عن أطراف خارجية قد يعني تحويل المدن العراقية إلى رماد. إن السر في هدوء السيستاني يكمن في حرصه على (حماية المكونات) ومنع استدراج البلاد إلى حرب بالوكالة تدفع ثمنها الشعوب المنهكة.

​رابعاً: الدعم الصامت والقوي

​رغم غياب الخطاب التحريضي لم تكن النجف يوماً بعيدة عن قضايا الأمة. فبيانات المرجعية بشأن القدس والعدوان على غزة ولبنان، كانت حاسمة في توصيفها للكيان الصهيوني بـ(المحتل). لكن الفرق يكمن في (الأداة) فالسيستاني يفضل الدعم الإنساني والضغط الدبلوماسي والحفاظ على وحدة الصف الداخلي معتبراً أن قوة الشيعة تكمن في استقرار مجتمعاتهم وتطورها علمياً واقتصادياً وليس فقط في ترسانتها.

 

إن  اتهام المرجعية بالتخاذل هو قراءة (سياسية ضيقة) لواقع(ديني واسع) المرجعية في النجف ترى أن دورها هو الحفاظ على التوازن وحماية دماء الناس وترك السياسة لأهلها ضمن أطر الدولة. إن صمت السيستاني ليس سكوت العاجز، بل هو( صمت الحكيم) الذي يعرف متى يتكلم لتهتز الأرض تحت أقدام المعتدين، ومتى يصمت ليحمي شعبه من لظى الحروب العبثية.


مشاهدات 93
الكاتب سعاد حسن الجوهري
أضيف 2026/03/07 - 2:31 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 6:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 290 الشهر 5721 الكلي 14959790
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير