الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدولار ومعاناة المواطن العراقي

← بواسطة azzaman

الدولار ومعاناة المواطن العراقي

 

رغد الكناني

 

إن ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي من شأنه أن يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والعاملين بأجر يومي، الذين يعتمدون على ما يحصلون عليه من دخل لتأمين احتياجاتهم الأساسية ومتطلبات أسرهم اليومية. فهذه الفئات لا تمتلك في الغالب مدخرات مالية تساعدها على مواجهة تقلبات الأسعار، الأمر الذي يجعلها الأكثر تأثرًا بأي ارتفاع في تكاليف المعيشة.

ولا تقتصر آثار ارتفاع الدولار على جانب معين من الحياة الاقتصادية، بل قد تمتد إلى أسعار السلع والمواد الغذائية والأدوية والاحتياجات المنزلية، خصوصًا أن السوق العراقية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد من الخارج. وعندما ترتفع تكاليف الاستيراد، قد تنعكس هذه الزيادة على أسعار السلع التي يشتريها المواطن، ليجد نفسه أمام أعباء جديدة تثقل كاهله وتحدّ من قدرته على تلبية متطلبات الحياة، في وقت أصبحت فيه المصاريف اليومية تشكل تحديًا حقيقيًا لكثير من العائلات العراقية.

ومن هنا، تبرز مسؤولية الجهات المعنية في التعامل مع التحديات الاقتصادية وفق خطط مدروسة وسياسات واضحة، تأخذ بنظر الاعتبار الظروف المعيشية للمواطنين، وتعمل على الحد من انعكاسات تقلبات سعر الصرف على الأسواق المحلية. فالمعالجة الاقتصادية الناجحة لا ينبغي أن تقتصر على القرارات المالية والإجراءات النقدية وحدها، بل يجب أن تترافق مع خطوات عملية لحماية القدرة الشرائية للمواطن، ومراقبة الأسواق، والحد من الاستغلال ورفع الأسعار غير المبرر.

فالعراق بلد نفطي يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، ويعد من البلدان المهمة في إنتاج النفط وتصديره، الأمر الذي يمنحه موارد مالية كبيرة يمكن الاستفادة منها في بناء اقتصاد متين ومستدام. لكن الاعتماد الواسع على الإيرادات النفطية يجعل الاقتصاد عرضة للتأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بإدارة الإنفاق العام وتوفير الموارد اللازمة لتمويل الخدمات والمشاريع وفرص العمل.

ومن هذا المنطلق، فإن امتلاك الثروة وحده لا يكفي لتحقيق الازدهار الاقتصادي، ما لم يقترن بحسن الإدارة والتخطيط السليم وتوجيه الموارد نحو مشاريع إنتاجية حقيقية تعود بالنفع على المجتمع. فالثروة النفطية ينبغي أن تكون وسيلة لبناء اقتصاد قوي، وليست المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه البلد في تمويل احتياجاته والتزاماته.

ولدى العراق إمكانات أخرى لا تقل أهمية عن النفط، وفي مقدمتها القطاع الزراعي الذي يمتلك تاريخًا عريقًا ومقومات طبيعية وبشرية قادرة على الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي. إلا أن النهوض بهذا القطاع يتطلب معالجة مشكلات شح المياه، وتطوير وسائل الري الحديثة، وتوفير الدعم اللازم للفلاحين، وتسهيل حصولهم على المستلزمات الزراعية، فضلًا عن تشجيع تسويق المنتجات المحلية داخل الأسواق العراقية.

أما القطاع الصناعي، فهو يمثل ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات المتقدمة، لما له من دور في توفير فرص العمل وتحريك الأسواق وتقليل الاعتماد على السلع المستوردة. ويحتاج العراق إلى رؤية صناعية واضحة تعمل على إعادة تأهيل المصانع القائمة، وتشجيع الاستثمار في المشاريع الإنتاجية، وتوفير بيئة مناسبة للقطاع الخاص، إلى جانب تحسين خدمات الكهرباء والبنية التحتية وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين.

كما ينبغي الاهتمام بالصناعات الغذائية والدوائية والإنشائية والتحويلية، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية. فكل مصنع يعمل بكفاءة، وكل مشروع إنتاجي ناجح، يمكن أن يضيف قيمة للاقتصاد الوطني، ويوفر فرص عمل للشباب، ويساعد على تنويع مصادر الدخل بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على الموارد النفطية في تمويل الموازنة العامة.

ولا يمكن إغفال القطاع السياحي، الذي يمتلك العراق فيه مقومات دينية وأثرية وتاريخية وطبيعية متنوعة. فالعراق يضم مواقع حضارية تمتد جذورها إلى آلاف السنين، فضلًا عن المراقد الدينية والمناطق الطبيعية والتراثية التي يمكن أن تجذب الزوار من داخل البلاد وخارجها. غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب تطوير البنية التحتية السياحية، وتحسين الخدمات، وتشجيع الاستثمار في الفنادق والمرافق السياحية، وتوفير بيئة مناسبة للزائرين.

إن تنشيط السياحة يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة للعمل، ويدعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وينعش قطاعات النقل والمطاعم والفنادق والخدمات، فضلًا عن إسهامه في تعزيز موارد الاقتصاد الوطني.

ومن المهم أيضًا أن تحظى المشاريع الصغيرة والمتوسطة باهتمام حكومي أكبر، لأنها تمثل فرصة حقيقية أمام الشباب للدخول إلى سوق العمل وتأسيس أعمالهم الخاصة. فبدلًا من أن تبقى الوظيفة الحكومية الخيار الوحيد الذي يسعى إليه آلاف الخريجين، يمكن أن تسهم القروض الميسرة والتدريب المهني والتسهيلات الإدارية في تشجيع المبادرات الفردية وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.

كما أن معالجة البطالة لا تنفصل عن معالجة الأوضاع الاقتصادية، لأن توفير فرص العمل المستقرة يساعد الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار ويمنح المواطنين قدرة أكبر على التخطيط لمستقبلهم. ومن الضروري أن ترتبط الخطط التنموية بنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لا أن تبقى مجرد مشاريع معلنة أو أرقام ترد في التقارير الرسمية.

وفي الوقت نفسه، لا بد من تعزيز الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مع متابعة حركة السلع الأساسية وضمان توافرها بأسعار مناسبة. كما ينبغي أن تكون السياسات الحكومية المتعلقة بسعر الصرف والإيرادات والإنفاق العام واضحة ومدروسة، وأن تسبق القرارات التي قد تمس حياة المواطنين دراسات دقيقة لآثارها الاقتصادية والاجتماعية.

إن المواطن العراقي الذي يعمل طوال اليوم من أجل تأمين لقمة عيش أسرته لا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف في مواجهة الأزمات الاقتصادية. فالعامل بأجر يومي، والمتقاعد، والموظف ذو الدخل المحدود، والعاطل عن العمل، جميعهم يحتاجون إلى سياسات اقتصادية تراعي ظروفهم وتمنحهم فرصة العيش الكريم.

ولو جرى استثمار الثروات النفطية بصورة أكثر فاعلية، إلى جانب دعم الزراعة والصناعة والسياحة وتطوير القطاعات الإنتاجية الأخرى، لامتلك العراق فرصًا أوسع لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة الأزمات. فالمشكلة ليست في نقص الإمكانات وحدها، بل في كيفية استثمارها وتحويلها إلى مشاريع وخدمات وفرص عمل تنعكس نتائجها على حياة الناس.

إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية اقتصادية بعيدة المدى، تتجاوز الحلول المؤقتة، وتضع في مقدمة أولوياتها تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتحسين الخدمات، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فالدولة القوية اقتصاديًا هي التي تستطيع مواجهة التقلبات الخارجية من خلال تنوع مواردها وقدرتها الإنتاجية، لا التي تعتمد على مورد واحد مهما بلغت أهميته.

إن ثروات العراق يجب أن تكون مصدرًا للاستقرار والازدهار، وأن تنعكس آثارها بصورة ملموسة على حياة المواطنين. فالعراق لا تنقصه الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى استثمارها بالشكل الصحيح، ووضع الإنسان في صميم السياسات الاقتصادية والتنموية.

فالمواطن أولًا، والاقتصاد المنتج أساس الاستقرار، والتنمية الحقيقية هي التي يشعر بها الناس في أسواقهم وبيوتهم وفرص عملهم ومستوى معيشتهم.


مشاهدات 51
الكاتب رغد الكناني
أضيف 2026/10/17 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 2:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 31428 الكلي 16616597
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير