الأدب ليس وصايةً لأحد ولا محكمةً
شوقي كريم
ما كتبه ياس الركابي ينطلق من غيرةٍ معلنة على الأدب العراقي، لكن الغيرة على الثقافة لا تمنح صاحبها حق توزيع شهادات الإبداع، ولا تخوّله تجريد الآخرين من ألقابهم ومواقعهم وفق ميزانه الشخصي. فالأدب ليس ملكية خاصة، ولا مؤسسة مغلقة يحق لأحد أن يحدّد مَن يدخلها ومَن يُطرد منها.
إن الآداب في العالم، على اختلاف تجاربها ومدارسها وتياراتها، تتشكّل من نسيج متنوع؛ فيه الأصيل والعابر، والمجتهد والمتعثر، والمجدد والمقلد، وفيه أسماء يختلف الناس حولها، وأخرى لا يُحسم شأنها إلا بمرور الزمن. وليس في ذلك عيب استثنائي، بل تلك طبيعة الحياة الأدبية حين تكون حرةً ومتعددةً ومفتوحةً على الأسئلة والاختلاف.
أما الأدب العراقي، فليس في حاجة إلى خطب النهايات السوداء كي نكتشف واقعه؛ إنه يمر بمراحل مهمة من التطور والحيوية وتعدد التجارب، ويشهد محاولات جادة لتجديد أشكاله وأسئلته ورؤاه، إلى جانب هنات وأخطاء ومظاهر تستحق النقد والمراجعة. ولا أحد يدّعي أن مشهدنا الثقافي منزّه عن المجاملات أو الشللية أو تضخم الألقاب، لكن معالجة هذه الظواهر لا تكون بإطلاق الأحكام العامة، ولا بتوزيع تهم الرداءة على نحوٍ يختلط فيه النقد بالتشهير، والغيرة على الأدب بالرغبة في فرض الوصاية عليه.
إذا كان ثمة خلل، فلنسمِّه بدقة، ولنناقش نصوصه وشواهده ومظاهره، ولنضع العمل الأدبي تحت مجهر النقد، لا صاحبه تحت مقصلة الإلغاء. فالنقد الذي لا يستند إلى الحجة يتحول إلى انطباع، والانطباع حين يتدثر بسلطة الإدانة لا يصبح حقيقةً لمجرد ارتفاع صوته.
ثم مَن الذي يملك المعيار النهائي للإبداع؟ ومن يمنح أحداً حق تقرير مَن يستحق صفة الشاعر أو الروائي أو الناقد، ومَن ينبغي أن يُجرَّد منها؟ أليس من المفارقة أن ننتقد احتكار الآخرين للمنابر، ثم نطالب، في الوقت نفسه، باحتكار حق تحديد مَن يستحق الوقوف عليها؟ إن رفض الوصاية لا يعني رفض المحاسبة النقدية، بل يعني إخضاع الجميع لمعيار واحد: النص، والمنجز، والحجة، لا الأهواء الشخصية ولا الولاءات المتقابلة.
أما المطالبة بمراجعة الألقاب وتجريد أصحابها من امتيازاتهم، فليست حلاً ثقافياً ما لم تتعلق بمؤسسات محددة، ومعايير معلنة، وإجراءات عادلة. فالألقاب ليست كلها من طبيعة واحدة، والمنصات ليست كلها سلطة واحدة، ولا يجوز تحويل الرأي الشخصي إلى محكمة عامة تُصدر أحكامها بلا ملفات أو أدلة.
ولنتفق على أمر جوهري: لا كمال في هذا الكون، فكيف بالأدب، وهو فعل إنساني قلق، وصراع أسئلة، ومحاولة دائمة لاكتشاف ما لم يُكتشف بعد؟ إن الكاتب قد يتعثر، والشاعر قد يكرر نفسه، والناقد قد يخطئ، لكن الخطأ لا يُعالج بالإقصاء، وإنما بالحوار والمعرفة والنقد الصارم الذي يميز بين ضعف النص وحق صاحبه في التعبير.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أدبنا ليس وجود تجارب ضعيفة؛ فكل مشهد حيّ ينتج تفاوتاً في القيمة، وإنما أن نغلق باب الاختلاف باسم الدفاع عن الجودة، وأن نستبدل سلطة المجاملة بسلطة الإدانة، وأن نتصور أن الأدب سيستعيد عافيته حين يقرر أحدنا، منفرداً، مَن يستحقه ومَن لا يستحقه.
الأدب لا يحتاج إلى أوصياء، بل إلى نقاد يمتلكون المعرفة والشجاعة والإنصاف. ولا يحتاج إلى خطب التحريض، بل إلى حوار ثقافي مسؤول يضع النصوص على طاولة المساءلة، من دون أن يحوّل الخلاف الأدبي إلى معركة لتصفية الحسابات.
فلنختلف، ولننتقد، ولنفضح الخلل حيثما ثبت، ولكن بالحجة لا بالهتاف، وبالوعي لا بالحماسة السياسية، وبالاحتكام إلى المنجز لا بادعاء امتلاك مفاتيح الحقيقة.
فالأدب العراقي أكبر من أن يُختزل في قائمة اتهامات، وأغنى من أن يُحاكم بمنطق الأبيض والأسود، وأحقّ بنا جميعاً أن ندافع عن حريته، لا أن نتنافس على امتلاك سلطة تعريفه.
ليس المطلوب أن نصمت عن الرداءة، بل ألّا نجعل من محاربتها ذريعةً لإنتاج وصاية جديدة عليها اسم الدفاع عن الإبداع.