الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مكوّنات وتنوُّعات الأقليّات وإشكاليّات المواطنة  (1)

← بواسطة azzaman

مكوّنات وتنوُّعات الأقليّات وإشكاليّات المواطنة  (1)

ماجد عبد العزيز عيسى

 

لم يختصّ مجتمع ما في كونه يحمل تلافيفاً اجتماعية متنوعة، فالتنوُّع هو الأصل، وما زال الحديث متدفقاً حول تحديد مفهوم النسل والأعراق، الذي استخدم تعسُّفاً وتسييساً له من أجل تبرير فظائع تم ارتكابها بذريعة النقاء والإصطفاء العرقي، بل وصل الحال إلى افتراض الرقّي الموروث لجنسٍ بشريٍّ عن بقية الأجناس. 

لقد تم الإستقواء على شرائح وفئات مجتمعية لها سماتها وثقافتها وطبائعها، بحيث جرت حروب دامية تحت ذرائع الدمج والوحدة والإنصهار في بوتقة وطنية دون مراعاة أية خصوصيات لأية مكونات اجتماعية سميَّت بالأقليات، وهو تعبير مقصود للتقليل من شأن وقيمة وجود تلك الفئات، وهذا انعكس على سلوكات وممارسات الفئات كما روت سرديات تاريخية وحاضرة كيف يصبح العنف والتسلُّط والتعالي عن المجتمع لدى هذه الأقليّة أو تلك عندما يستلم السلطة أحد أفرادها. لتتشبث بأظافرها في السلطة مهما كان الثمن.

منظومات سلوكية

إن فكرة تزاوج السلطة بالمذهب أو الطائفة أو الدين أو القومية أو اللغة أو الجغرافيا، تستتبع جملة منظومات سلوكية تتغلف بالديمقراطية عندما تكون السلطة للأغلبية، فهي بجميع الأحوال تستحوذ على كافة المواقع والهيئات بحكم الغلبة في عديد الأصوات. كما أن أفظع أشكال النظم السياسية جاءت من وراء حكم النخبة أو الطائفة أو الأقلية. أي أن الإرتكاز على مثل هذه الفرعيات يتطلب صرامة وعنف واستخدام مفرط للقوة من أجل البقاء في السلطة.

إن فكرة المواطنة العالمية ليست بجديدة ولا يستحيل تطبيقها، إذا ما أعلت الشعوب من قيم أخلاقية إنسانية يمكنها احتواء جميع المكونات ومنحها ذات الحقوق والواجبات. نعم حتى الواجبات تصير أحياناً عبئاً على من في السلطة، ولا يرغب في قيام مكونات مجتمعية بتلك الواجبات، أيضاً بذرائع من قبيل « الموالاة قبل الكفاءة والجدارة»، لقد شاهدنا أفراداً يحتلون أعلى المناصب لمجرد أنهم من الحزب ذاته، أو من عائلة الزعيم أو من طائفته وقوميته، وهم لا يمتلكون أدنى دراية أو مؤهل أكاديمي أو خبرة وظيفية.

بعيداً عن المضاربات الأيـديلوجية والسياسية، بإمكاننا أن نحدد معنى الأقليات بأنها: التكوين البشري، الذي يتمايز مع جماعته الوطنية في أحد العناصر الآتية «الدين ـ المذهب ـ الطائفة. اللغة ـ السلالة» . وهذا التمايز تعبير عن التنوع الطبيعي بين البشر. هذا التعريف يقودنا لجملة جدالات معرفية ومفاهيمية لا انتهاء لها، فهل يكفي أن تكون جماعة لها خصوصية ما، حقُّ المطالبة بالانفصال أو الاستقلال. ماذا عن الأقليات المتناثرة داخل المجتمع أو المتداخلة مع المجتمع ولا يوجد لديها جغرافيا متمايزة. ماذا عن الديمقراطية التي تعني حكم الأغلبية مما يؤدي حكماً لعدم تمكين الأقليَّة من الحضور في المشهد السياسي العام. كيف يمكن ضمان حقوق الأقليات من خلال الممارسة الديمقراطية. هل يكفي التواجد الجغرافي أو الامتداد التاريخي لإثبات حقوق خاصة لفئة أو مكوّن اجتماعي.

ديانات شتى

في أفريقيا السوداء، التي يناهز تعداد سكانها اليوم 750 مليون نسمة، توجد 54 دولة، وتوجد في مقابلها 2200 إثنية تتكلم بمثل هذا العدد من اللغات. أما في آسيا أكبر قارات العالم من حيث تعداد السكان، يعيش اليوم 4 مليار نسمة، يتوزعون بدورهم على أكثر من 2000 إثنية وينطقون بأكثر من 2000 لغة ويعتنقون ديانات شتى.

من الأخطاء التاريخية الكبرى، التي وقعت فيها مشاريع الوحدة والتوحيد في الحالة العربية والإسلامية، هو اعتمادها عسكرتاريا ديكتاتورية و/ أو نُخب سياسية مستبدَّة لا ترى إلا لوناً واحداً ولا تتعامل إلا بعقليةٍ ضيقة، عملت على تجريف وتصحُّر الواقع الاجتماعي، وأفقرت العمل السياسي والمدني، وخلقت الحواجز النفسية والفعلية الكبرى التي تحول دون الوحدة والتوحُّد. لذلك لم نجن من هذه التجارب والممارسات إلا المزيد من التشظّي والتجزئة والتشرذُّم. إن المشترك الوطني، لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو المذهبية والثقافية، وإنما يتطلب احترامها وفسح المجال لها، لكي تمارس دورها ووظيفتها في إثراء مفهوم الوحدة بمضامين حضارية، تتجاوز الرؤية الآحادية والنهج الإقصائي. ولنا عودة.

  أستاذ أكاديمي وكاتب صحفي

 

 

 

 

.


مشاهدات 35
الكاتب ماجد عبد العزيز عيسى
أضيف 2026/10/17 - 12:16 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 12:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 73 الشهر 31290 الكلي 16616459
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير