الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كيف نخرج من إنسداد إختيار رئيس الوزراء ؟      (1)

بواسطة azzaman

كيف نخرج من إنسداد إختيار رئيس الوزراء ؟      (1)

محمد عبد الجبار الشبوط

 

في كل دورة انتخابية تقريباً يدخل النظام السياسي العراقي في مأزق يتكرر بصورة تكاد تكون نمطية: انتخابات تُجرى، وبرلمان يتشكل، لكن الطريق إلى اختيار رئيس مجلس الوزراء يتحول إلى عملية طويلة من المساومات والتعطيل والصراعات السياسية. لا يكمن الخلل في الأشخاص بقدر ما يكمن في بنية الآلية التي يتم من خلالها إنتاج السلطة التنفيذية، إذ إن الدستور العراقي وضع صيغة عامة لتكليف “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بتشكيل الحكومة، لكنه ترك مساحة واسعة للتأويلات والتنازع السياسي، الأمر الذي جعل هذه المادة نفسها تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر للأزمة بدلاً من أن تكون طريقاً للحل.

إن التجربة العراقية منذ عام 2005 تكشف بوضوح أن آلية اختيار رئيس الوزراء تحولت عملياً إلى مفاوضات مفتوحة بين القوى السياسية، تمتد أحياناً لأسابيع أو أشهر، وتنتج حكومات توافقية هشة تقوم على توزيع المناصب بدلاً من بناء برنامج حكومي واضح. والنتيجة أن الدولة تدخل في حالة شلل مؤقت، فيما تتراجع ثقة المواطنين بالنظام السياسي وبقدرته على إنتاج سلطة تنفيذية فعّالة.

مقترح عملي

ولكي يخرج العراق من هذا الانسداد المتكرر، يمكن التفكير في مقترح عملي بسيط وواضح يقوم على تعديل آلية التكليف بحيث تصبح مرتبطة مباشرة بنتائج الانتخابات لا بالمفاوضات اللاحقة لها. ويقوم هذا المقترح على قاعدة أساسية مفادها أن الحزب أو الائتلاف الذي يحصل على أغلبية النصف زائد واحد من مقاعد مجلس النواب يكون له الحق المباشر في تشكيل الحكومة واختيار رئيس مجلس الوزراء، تماماً كما يحدث في عدد من الأنظمة البرلمانية المستقرة مثل بريطانيا. غير أن التجربة العراقية تشير إلى احتمال عدم حصول أي حزب على هذه الأغلبية، وهو احتمال وارد في ظل التعددية السياسية الواسعة. لذلك يمكن اعتماد قاعدة مكملة تنص على أنه إذا لم يحصل أي حزب أو ائتلاف انتخابي على الأغلبية المطلقة، تُمنح القوى السياسية مهلة محددة – لنقل ثلاثين يوماً – لتشكيل ائتلاف حاكم يحقق هذا الشرط. فإذا انقضت المهلة دون تحقيق الأغلبية المطلوبة تُعاد الانتخابات البرلمانية مرة أخرى.

تكمن قوة هذا المقترح في أنه يضع الجميع أمام قاعدة واضحة: إما تشكيل أغلبية حاكمة حقيقية قادرة على إدارة الدولة، أو العودة إلى الشعب ليعيد توزيع موازين القوى عبر انتخابات جديدة. وبهذا تنتقل العملية السياسية من منطق المساومات المفتوحة إلى منطق الحسم الديمقراطي.

قبل الانتخابات

كما أن هذا المقترح يحقق عدة نتائج مهمة في آن واحد. أولاً، إنه يدفع الأحزاب إلى بناء تحالفاتها قبل الانتخابات لا بعدها، مما يجعل الناخب يعرف مسبقاً طبيعة الحكومة المحتملة وبرنامجها. ثانياً، إنه يحد من ظاهرة الحكومات التوافقية الواسعة التي تضعف مبدأ المسؤولية السياسية، لأن الحكومة ستقوم على أغلبية واضحة تقابلها معارضة برلمانية واضحة أيضاً. ثالثاً، إنه يعيد للناخب دوره الحاسم في تحديد اتجاه السلطة التنفيذية بدلاً من أن تُحسم الأمور داخل غرف التفاوض المغلقة. إن العراق يحتاج اليوم إلى نظام سياسي قادر على إنتاج حكومة بسرعة وكفاءة بعد كل انتخابات، لأن استمرار حالات الانسداد يضعف الدولة ويعطل قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والتنموية. ومن هنا فإن إصلاح آلية اختيار رئيس مجلس الوزراء لم يعد مسألة تقنية صغيرة، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستقرار النظام السياسي نفسه. إن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء الانتخابات، بل على قدرة النظام السياسي على تحويل نتائج الانتخابات إلى سلطة تنفيذية فاعلة. وإذا استطاع العراق أن يطور هذه الآلية بحيث تصبح واضحة وحاسمة، فإنه يكون قد خطا خطوة مهمة نحو بناء دولة أكثر استقراراً وقدرة على العمل.

إن الخروج من مأزق اختيار رئيس الوزراء لا يحتاج بالضرورة إلى حلول معقدة، بل إلى قاعدة دستورية بسيطة وواضحة: أغلبية تحكم، ومعارضة تراقب، والشعب يبقى الحكم النهائي عندما يعجز السياسيون عن الحسم.

 

يتبع

 


مشاهدات 59
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/03/31 - 11:40 PM
آخر تحديث 2026/04/01 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 78 الشهر 78 الكلي 15218151
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير