الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جائزة نوبل بين امرأتين

← بواسطة azzaman

أذن وعين

جائزة نوبل بين امرأتين

عبد اللطيف السعدون

 

رغم كل الآثام التي تحيط بنا، وكل الشرور التي استقرت على رقابنا فإن العالم، كما يبدو اليوم، لا يزال بخير، ولا تزال ثمة مساحة تفيض بالأمل والمحبة، وثمة أصوات تنتصر للمظلومين، وتدافع عن حقوق البشر، وحرية الأوطان.

ضحايا الحروب

القاضية تافا بيلاي مثال على ما نقوله، هي واحدة من ناشطات جنوب أفريقيا، معروفة بشخصيتها الشجاعة المملوءة بقوة روحية متأججة مصاغة على نية تغيير العالم، ومنطلقة من إيمان بمستقبل حر ومزدهر للإنسان في ايما مكان، في سيرتها أكثر من محطة عبرت فيها عن وقوفها الى جانب الناس العاديين ضحايا الحروب والتمييز العنصري، وقدمت لنا دروسا في الثبات والقوة الأخلاقية والالتزام بقضايا الإنسان العادلة، وقد اشتهرت بمواجهتها لنظام الفصل العنصري في بلادها، ولعبت دورا محوريا في الدفاع عن النشطاء السياسيين أمام القضاء، وكان لها حضورها الفاعل في تقرير محاكمة جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وساهمت بنشاط في عمل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة رواندا، وعملت مفوضا ساميا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وأكثر ما يهمنا إسهامها في فضح وادانة المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في غزة إذ خلصت في تقريرها الذي قدمته بصفتها رئيسة لجنة التحقيق الدولية الى وجود أدلة على ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب وإبادة جماعية بحق الفلسطينيين.

وقد كانت ردة فعل رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو على فوز بيلاي وصفه لها بأنها «متعصبة فقدت بوصلتها الأخلاقية»، أما الرئيس الأميركي دونالد ترامب فقد بدا مستاء من عدم حصوله، هو شخصيا، على الجائزة رغم أنه، كما قال، أنهى 8 حروب، وعلى وشك أن ينهي حربين أخريين! سجل بيلاي في مجال إرساء نظام قانوني دولي عادل كان وراء منحها جائزة نوبل للسلام، وبهذه الخطوة الجديرة بالإشادة تكون لجنة الجائزة قد سددت دينا عليها، دينا أخلاقيا وسياسيا، ولعلها أرادت بمنح الجائزة الى بيلاي أن تكفر عن الخطيئة التي ارتكبتها في العام السالف بمنحها الجائزة الى الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي تمثل النقيض لبيلاي، يمنية متطرفة حد النخاع، معادية للعرب، وداعمة للطروحات الإسرائيلية، ومن «مآثرها» الشريرة تعهدها بالتعاون مع حزب «الليكود» وزعيمه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة، ووعدها بنقل سفارة بلادها إلى القدس إذا ما وصلت الى السلطة، ودعوتها مرارا إلى التدخل العسكري الأجنبي في بلادها، وحثها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على القيام بذلك.     إذن، ثمة ما هو فارق بين بيلاي وماتشادو، ولا شيء يجمع بينهما سوى أنهما حصلتا معا على جائزة نوبل للسلام، وفي ديباجة استحقاق بيلاي للجائزة جرى ذكر دفاعها عن حقوق الإنسان، وسعيها لإرساء معالم نظام قانوني دولي يحترم البشر فيما قيل في ديباجة ماتشادو أنها نالت الجائزة لدفاعها عن الديمقراطية في بلدها، والمتأمل في سيرتي المرأتين يكتشف كمية الصدق في توصيف الأولى، وكمية الكذب في توصيف الثانية، صحيح أن ماتشادو كانت معارضة شرسة لنظام تشافيز، وقد حظيت في فترة سابقة بدعم شعبي لا يستهان به، لكن النظام منعها من الترشح في انتخابات الرئاسة.

مواقف متطرفة

ويبدو أن هذا خلق عندها نوعا من ردود الفعل فاندفعت لتتبنى مواقف متطرفة، وطالبت واشنطن بالتدخل عسكريا للإطاحة بـمادورو، فيما اعتبر «الشافيزتاس» ومعارضون مستقلون موقفها هذا فعلا خيانيا، ومع مجمل ارتكاباتها السياسية والفكرية  اعتبر تماهيها مع الطروحات الأمريكية تقويضا لمزاعمها بأنها مناصرة للحرية والديمقراطية، وحتى الرئيس ترامب نفسه اكتشف أن من الصعب اعتبارها قائدة لفنزويلا فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل بلدها كما قال، بذلك تكون ماتشادو قد خسرت نفسها قبل ان تخسر الآخرين.

وفي كل الأحوال، ليس أمامنا بعد كل هذه الوقائع سوى أن نحيي خطوة لجنة جائزة نوبل الأخيرة التي شكلت نقطة مضيئة على طريق إرساء قواعد نظام قانوني دولي يحترم البشر، ويضمن لهم حاضرهم ومستقبلهم، ويجنبهم الآلام المرة التي أنزلت بهم في أزمنة غاب فيها العدل واستوطنت الشرور، وبالمقابل نتمنى لو كان بالإمكان سحب جائزة العام الماضي من ماتشادو لكن الأمور لا تسير دائما على النحو الذي نرغب فيه ونتمناه.

 


مشاهدات 32
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/10/17 - 1:24 AM
آخر تحديث 2026/10/17 - 1:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 31398 الكلي 16616567
الوقت الآن
السبت 2026/10/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير