بحر الصين الجنوبي.. بين العمق اللوجستي والذاكرة التنافسية
عادل سعد
•لإعتبارين أثنين ، أجد نفسي ملزماً للتبشير بأهمية كتاب ( الصراع في بحر الصين الجنوبي وأثره في التوازن الاقليمي
.•الاعتبار الاول ، أنه كتاب أستمد مضمونه من خلال المداولة والتبصيرالمتبادل بمعلومات تناولت ومازالت تتناول موضوع الصراع في تلك المنطقة الحساسة دوليا .
•لقد استند المؤلفان ، الدكتور حميد شهاب أحمد ، والدكتور زيدون سلمان محمد الگرطاني الى حقائق ومؤشرات اخذت مصداقيتها من مصادر وثيقة الصلة بأحداث منطقة مزاياه اللوجستية انها ممر تواجد وعبور في ذات الوقت ،منطقة تتجاذبها المصالح بالمزيد من التسخين السياسي والامني والتخابر التجاري ،ولم تشهد أي اطمئنانٍ حتى اللحظة الحالية .
•الاعتبار الثانيّ ، هناك حرصاً بنيوياً واضحاً عند الباحثين على توخي الحيادية والموضوعية ، وهذه مهمة باتت شاقة حقا في محيط معرفي عالمي تحكمه الانحيازات والتفسيرات المبطنة والتحليلات وفق ما يتمناه أصحابها ليس إلا .
لغة تحليلية تفكيكية
•لقد ظل الباحثان منصفين وفق لغة تحليلية تفكيكية تدّرج فيها التعاطي بين البعدين التاريخي والحديث مع اطلالات جانبية نوعية للاستدلال على توازنٍ قلقٍ عموماً
•كما وفر الباحثان فرصة فهم لما يجري هناك من خلال اربعة مستويات من التشخيص :- .
•المستوى الاول ، الجيوسياسي (الجيوبلوتيك) ،أي كل ما يتعلق بالسمات الجغرافية للمنطقة ومحركات الافادة منها لتعزيز مصالح .
• ان المستوى الجيوسياسي لبحر الصين الجنوبي قد زخر بمتغيرات عديدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ١٩٤٥ التي شكلت هزيمة اليابان فيها مشهداً مؤثراً على عموم المنطقة ، كما يمكن ايضاً رصد نهوض التنين الصيني واعتماده المناوبة الواضحة بين نسختين من القوة الناعمة ذات القفازات الحريرية ، وكذلك الحال بالقوة المدعومة بأحتمال الصدام المباشر امتداداً للمطالبة الصينية بجزيرة تايون في حين واصلت الولايات المتحدة نفوذها من خلال قواعدها المنتشرة على تخوم المنطقة وكذلك أستثمار جسور المصالح التي وفرتها منظمة سيان
• المستوى الثاني ، يرتبط ارتباطً وثيقاً بتفسيرات الخصومة بين الصين و الولايات المتحدة على هامش تعهدات واشنطن المتجددة في حماية تايوان من أبتلاع الصين لها (الابتلاع هنا توصيف امريكي ) ،بينما مازالت الصين تصر على أنّ تايوان جزءٌ من لسانها البحري العام الامر الذي تسبب في شد سياسي و دبلوماسي وعسكري دفعت بكين الى الذهاب ابعد في استنفار وضعها من أجل تعزيز مجساتها ، وهي في الواقع اقدر على ذلك بحكم المقاربة الجغرافية ،لكن ذاك لم يوقف الذكاء الصيني من المداورة في هذا المطلب السيادي للحصول على منافع آنية .
•إن زيارة الرئيس الأميركي (نكسون) التاريخية الى بكين في ٢١ شباط ١٩٧٢ واستمرارها سبعة ايام قد مثلت انعطافة رائدة في استطراب المواقف .
•المستوى الثالث ، يمثل امتداداً، لمستوى الخصومة ، ولكن بأدوات التصعيد والاحتكار وتغير مجسات الاشتباك بين الحين والآخر بالاصابع العسكرية التهديدية ، وهذا المستوى من العداء ظل تحت تصرفه المزيد من جس النبض والمزايدات ، واحتكاك البوراج في اختبارات جزئية للقوة .
•المستوى الرابع ، يتعلق بقراءة تحليلية عن مستجدات بحر الصين الجنوبي ومدى التأثيرات الاقليمية ، ليس فقط في ساحة المنطقة المشار اليها ، وانما ايضاً في اطار تشابك العلاقات الدولية وفق نظرية الاواني المستطرقة ،ولذلك ليس بعيداً عنها منطقة الشرق الأوسط التي أدرجها مستشار الأمن القومي الأميركي الاسبق برجنسكي بأنها قوس أزمة دولية بنهايات أخطبوطية تستمد تشابكها مع ما يجري في جنوب شرقي آسيا .
•الحال ، لم يلجا الباحثان الى ايقاعات السرد التقليدي للتحليل القائم على ربط المعلومات .
لقد تم تناول هذا المسار ضمن المدركين ،الاقليمي ،والدولي ، وانسجاما معهما ، أجرى الباحثان مقارنة لترسيم الحدود وفق اشغالات قوانين أعالي البحار ،(معاهدة الامم المتحدة لعام 1982 التي دخلت حيز التنفيذ عام 1994 للانتفاع من مياه البحار والمحيطات) ، ويُقصد بأعالي البحار المياه التي تقع خارج سلطة أية دولة وتبدأ بشكل عام بعد 200 ميل بحري ،والمؤكد ان الولايات المتحدة الامريكية كيّفت هذه المعاهدة لمصالحها الذاتية على حساب حقوق دول المنطقة ، الأمر الذي أغضب الصين بينما غضت دول اخرى النظر تحاشيا للعقوبات الاقتصادية .
تطويع الارادة
•الباحثان تحدثا أيضاً عن متلازمة كيف يتم تطويع الارادة الدولية لصالح الصفقات التي تستمد مكاسبها من معادلة (انفعني وانفعك )، وقد لعبت الشركات العابرة للقارات دوراّ تعزيزياً لهذه المنافع تحت تأثير عنوانٍ مغرٍ مفاده الخارجي الشراكة وباطنه تعزيز الأحلاف الجزئية ،وتوطين فرص الردع على وزن شروط أتفافية (ديوغارسيا) ، نسبة الى جزيرة بهذا الاسم في المحيط الهندي فيها قاعدة امريكية بريطانية مشتركة .
• كما توقف الباحثان عند اربع تصنيفات 1 ما يتعلق بالقدرات العسكرية والاقتصادية للصين وتايوان 2- مايتعلق بالدول الاشد تورطا بالنزاع ، الفلبين ،فيتنام ،مقابل الدول الاقل تورطا ،أو بالمنطق السياسي ، المترفعة عن الانضمام المباشر للصراع ، ماليزيا ،بروناي ،اندونسيا وسط هوامش لتحليل هذا التصنيف ،3-محددات الصراع في هذا البحر بالنسخة الامريكية الروسية ، والإفادة المرصودة لقدرات موسكو لخدمة التطلعات الصينية 4- ما بذله الباحثان في الخوض في مقاربات احتمالات ، •أحتمال تصاعد النزاع •احتمال تسويته •احتمال استمرار التعاطي الراهن بشأنه ،وتأثير هذه الاحتمالات على التوازن الاقليمي. وعن دراية،خلص الباحثان إلى عددٍ من التوصيات المشفوعة بسياقات جدلية أستمدت مفاتيحها من رصد موضوعي غاية في الحيادية العلمية .