الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سعد تويج يرسم المدينة كحالة شعورية في دبي

← بواسطة azzaman

سعد تويج يرسم المدينة كحالة شعورية في دبي

معمار بصري يتأسس على إيقاعات هندسية صارمة

 

بغداد – علي الدليمي

افتتح في دبي مؤخرا المعرض الشخصي للفنان العراقي سعد تويج الذي ضم عشرين لوحة مختلفة القياسات، وهو امتداد لمعرضه الذي أقامه في بغداد قبل سنتين، لكنه امتداد لا يكرر نفسه بل يراكم عليه.

فالتجربة هنا أكثر تجددا وتقدما، تعيد قراءة المدينة لا كجغرافيا ثابتة بل كحالة شعورية متحركة، وكسيرة تشكيلية واحدة تبحث عن المدينة المثالية في قلب مدن تتبدل.

وتتجلى في منجزه سيمفونية لونية وبصرية متكاملة تتخذ من المدينة وتجلياتها الروحية والمكانية محورا لتأملات عميقة تنبض بعبق التراث العراقي وخصوصيته المعمارية، فالمدينة عنده ليست خلفية للحدث بل هي الحدث ذاته، هي الذاكرة والبيت والمرآة، ومن هنا لا يقرأ معرض دبي كعشرين لوحة منفصلة، بل كفصل جديد في مشروع جمالي واحد.

إن جولة متأنية في أعماله مثل «مدينة بغداد» و»مدينة صحراوية» و»دفء أخضر» و»حلم المدينة» و»انعكاس» و»حلم مضيء» و»المدينة المثالية» و»هوس» بأجزائه، تفضي إلى عوالم مفعمة بالشجن الجمالي والاشتغال التقني الرصين الذي ينهل من الذاكرة ويصهرها في بوتقة التجريد المعاصر. فتويج يمتلك أرشيفا بصريا واسعا عن المدينة العراقية لكنه لا ينقلها فوتوغرافيا، بل يعيد تركيبها وفق منطقه الداخلي، البيوت المتراصة والأزقة الضيقة والقباب والمآذن وانعكاس الماء، كلها تتحول إلى علامات تشكيلية قابلة للتأويل لا إلى معالم سياحية.

وتتأسس معماريته البصرية على إيقاعات هندسية صارمة ومدروسة، تتضافر فيها القباب والمآذن والكتل السكنية المتقاربة لتشكل أفقا متوجا بالرموز الحضارية التي تحاكي عمق الحضارة الرافدينية والإسلامية، فتتراءى المدينة ككائن حي يتنفس ويحتضن أسرار الحنين والانتظار.

وهذه الصرامة ليست جفافا أكاديميا بل هي الهيكل العظمي الذي يسمح للون أن يتحرك بحرية، فالخط المستقيم والزاوية القائمة والطبقية الأفقية تمنح اللوحة اتزانها، بينما يمنحها اللون حرارتها وقلقها.

         تكوينات طبقية

وتتوزع فضاءاته غالبا عبر تكوينات طبقية أفقية تعكس ثقلا بصريا يتأرجح بين الواقع والمتخيل، وكأن الفســـــيفساء الحـــــــــــــــروفية والتخطيطــــــــ

ات الزخرفية المتناثرة بين طبقات الكتل العمرانية تعمل كنقاط ارتكاز روحية تربط الأرض بالسماء، وتعزز الشحنة التعبيرية للمساحات اللونية. هذا التوزيع يذكرنا ببنية المدينة العراقية نفسها، مدينة طبقات من التاريخ، سومرية فوقها عباسية فوقها عثمانية فوقها حداثة متعثرة، كل طبقة تترك أثرها على الأخرى، وتوظيف الحرف العربي والزخرفة في ثنايا الكتل ليس زخرفا إضافيا بل محاولة لاستدعاء البعد الروحي للمكان، كأن الكتابة جزء من الجدار والجدار جزء من الدعاء.

وفي أعمال أخرى نرى الخطوط المنحنية والأشكال الكروية المتداخلة تشكل منظومات تشبه الخلايا الحية أو النجوم المتفجرة في فضاء سابح في ملكوت التجريد، كما في «هوس» و»المدينة المثالية» و»حلم مضيء»، حيث تذوب الحدود بين شطآن الأنهار وقمم العمران وكتل الضوء فوق صفحة القماش.

هنا ينتقل تويج من معمارية المدينة الصلبة إلى طاقتها، من شكلها إلى إشعاعها، لم تعد المدينة مبان بل ذبذبات ضوئية ونبضا وحلما مضيئا يطفو، وهذا التحول من الهندسي الصارم إلى العضوي المتفجر هو ما يمنح تجربته ديناميتها.

وتستند معالجته اللونية إلى تدرجات تتبدل ببراعة بين الأزرق السماوي والنيلي العميق اللذين يحيلان إلى صفاء المياه وسكون الليل البغدادي، مرورا بالأصفر الخريفي والبرونزي المشرق الذي يوحي بدفء الصحراء وحرارة الشمس، وصولا إلى الأخضر الغض الذي ينفث خصوبة في روح التكوين، مما يخلق تباينا دراميا هارمونيا يأسر العين.

فاللون عنده ليس تلوينا للشكل بل هو الشكل نفسه، الأزرق حالة صفاء وانتماء، والأصفر ذاكرة جفاف وخصب معا، والأخضر وعد بالعودة.

وتبرز في لوحة «انعكاس» ثيمة التناظر المرآوي وكأن المدينة تعيد إنتاج ذاتها في مرآة الماء أو في صفحة الذاكرة، مكرسة أبعادا فلسفية عن الهوية والصدى والأثر الباقي للأمكنة رغم تقلبات الزمن.

فكرة الانعكاس ليست تقنية تشكيلية فحسب بل سؤال عن الأصل والصورة، عن المدينة التي نراها وتلك التي نحملها داخلنا، عن بغداد الواقعة على دجلة وبغداد الواقعة في القلب.

إن المساحات الكبيرة والصغيرة في منجزه تتناغم بكتل متوازنة وتوزيع كفء للضوء الذي يبدو منبعثا من داخل العناصر ذاتها لا مسلطا عليها من الخارج، مما يمنح الأعمال هالة من السحر والغموض، وتتداخل الخطوط الحرة مع الصياغات الهندسية الدقيقة في توازن يبرز تمكن الفنان من أدواته الأكاديمية والحدسية معا، حيث تتحول المفردات التقليدية كالبيوت المتراصة والقباب والمراكب إلى رموز كونية عابرة للزمن.

لهذا يمثل معرض دبي مرحلة نضج، فإذا كان معرض بغداد قد قدم المدينة كحكاية تحتاج إلى تفاصيل، فإن معرض دبي يقدمها كقصيدة تحتاج إلى إيقاع، وهذا الإيقاع هو ما يلمسه المتلقي وهو يتنقل بين «حلم المدينة» و»المدينة المثالية» و»هوس»، حيث يشعر أن الفنان لا يرسم مدينة واحدة بل يرسم فكرة المدينة، فكرة المأوى والانتماء والضياع والعودة، سفرا بصريا مفتوحا على بلاغة المكان العراقي.

وفي زمن تتسابق فيه المدن لتتشابه بالزجاج والفولاذ، يأتي تويج ليذكرنا بأن مدننا لها روح أخرى، قبة ومئذنة ومركب ونخلة وانعكاس ماء، قابلة لأن تكون أيقونة جمالية عالمية حين تجد من يقرأها بعين العاشق ويد المعماري وقلب الصوفي.

 


مشاهدات 58
أضيف 2026/10/07 - 2:33 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 2:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 210 الشهر 12566 الكلي 16597735
الوقت الآن
الخميس 2026/10/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير