الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يصبح الإهداء لغة تقدير

← بواسطة azzaman

حين يصبح الإهداء لغة تقدير

هدير الجبوري

 

ثمة أشياء صغيرة في ظاهرها، لكنها حين تقع في مكانها الصحيح تصبح ذات معنى كبير.

نسخة من كتاب، إهداء بخط مؤلفه، كلمة امتنان، أو مبادرة بسيطة تقول لمن أمامك: أنا اقدر وقتك، واعرف ان ما ستقدمه لي ليس امراً عابراً. في الحياة الثقافية، كثيرا ما تتقاطع الكتب مع العلاقات الانسانية، فالكتاب لا يصل الينا دائما من رف مكتبة، احيانا يصل من يد صاحبه، محملا بتحية او اهداء او رغبة في ان يكون القارئ جزءا من حكايته. ولعل اجمل ما في الكتاب ان قيمته لا تتوقف عند سعره.

قد يكون ثمن الكتاب مرتفعاً، وقد يكون مؤلفه قد انفق عليه كثيراً، وهذا امر مفهوم ومحترم. لكن حين يطلب المؤلف من كاتب او ناقد ان يقرأ كتابه ويكتب عنه، فان المسألة تتجاوز اقتناء الكتاب الى ما هو ابعد: هناك وقت سيُمنح، وصفحات ستُقرأ، وافكار ستُمحص، ثم نص سيكتب باسم صاحبه، وسيأخذ الكتاب الى قراء اخرين.

والكتابة عن كتاب ليست مجاملة عابرة كما قد يتصور البعض فالكاتب الذي يوافق على القراءة يضع جزءا من تجربته وذائقته وسمعته المهنية في النص الذي سيكتبه.

 وقد يقرأ عشرات الصفحات ليختار منها ما يستحق التوقف، وقد يعيد النظر في فكرة اكثر من مرة قبل ان يمنحها صياغتها الاخيرة، ولهذا فان تقدير هذا الجهد لا يحتاج الى مقابل مادي، احيانا تكفي اشارة صغيرة.

كنت افكر في هذا المعنى بعد موقف بسيط جعلني اتساءل: هل ما زلنا ننتبه الى قيمة المبادرات الصغيرة في علاقاتنا الثقافية؟

أحد الكتاب انجز كتاباً جديداً، وطلب مني ان اقرأه واكتب عنه. اخبرني ان نسخة من الكتاب موجودة في مكان ما، فذهبت لاقتناء الكتاب، لا باعتباري قارئة تبحث عن عنوان جديد فحسب، وانما لانني فهمت انني مدعوة الى قراءة الكتاب والكتابة عنه.

وحين وصلت، لم تكن هناك نسخة.ابلغته بذلك، فجاء الرد بان الكتاب مكلف على صاحبه، وان اقتناء النسخة سيكون على عاتقي،لم تكن المشكلة أبداً في ثمن الكتاب،واقولها بوضوح لان هذه النقطة هي جوهر الحكاية.

انا اشتري الكتب، واعرف ان وراء كل كتاب كلفة وجهدا ووقتا. وانا ايضا حين اطبع كتبي ادفع مبالغ ليست قليلة، ثم اختار في حفلات التوقيع ان اهدي نسخا منها الى كثير من الحاضرين، لانني اؤمن ان الكتاب حين يجد طريقه الى يد محبة او قارئة مهتمة، فان فرحته لا تكتمل الا بالمشاركة.

كنت اتمنى فقط ان تكون هناك نسخة مخصصة لمن طلب منها ان تكتب عن الكتاب.

كان يمكن ان يكون الامر بسيطا جدا: هذه نسختكِ....عبارة قصيرة، لكنها تحمل تقديراً كبيراً.وهنا تكمن المفارقة، فنحن احيانا نبحث عن قيمة الاشياء في ثمنها، بينما تكون قيمتها الحقيقية في المعنى الذي تحمله.

الاهداء لا يعني ان الكتاب بلا ثمن، ولا يعني ان المؤلف غير حريص على ما بذله فيه.

بل ربما يكون العكس تماما،فحين يهدي المؤلف كتابه الى شخص يعرف انه سيقرأه ويكتب عنه، فهو يمنحه شيئا يتجاوز الورق: يمنحه ثقة بان كتابه سيصل الى قارئ يعرف كيف ينظر اليه.

وفي المقابل، لا ينبغي ان يتحول الاهداء الى حق مكتسب او واجب اجتماعي.

 لكل انسان طريقته في التعامل مع كتبه، ولكل مؤلف ظروفه، وقد تكون هناك اسباب لا نعرفها.

لكنني اتحدث عن شيء اوسع من هذه الحكاية.اتحدث عن ثقافة التقدير.

نحن نحتاج في الوسط الثقافي الى ان ننتبه اكثر الى الجهد الذي يبذله الاخرون من اجلنا.

ان نعرف ان الدعوة الى ندوة تعني وقتا، وان كتابة مقال تعني قراءة، وان تقديم كتاب يعني مسؤولية، وان حضور مناسبة ثقافية قد يعني ان شخصاً ترك التزاماته ليكون حاضراً معك.ولا يعني تقدير ذلك ان ندفع ثمن كل شيء.احيانا تكون كلمة (شكراً) كافية.

واحيانا تكون نسخة كتاب. واحيانا تكون رسالة قصيرة بعد نشر المقال تقول: قرأت ما كتبت وأسعدني انك انصفت كتابي.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تمنح العلاقات الثقافية دفئها، وتجعل المشهد الثقافي اكثر انسانية.ولعلنا بحاجة الى ان نخرج قليلا من فكرة ان المثقف يجب ان يمنح دائما بلا حساب، وان وقته متاح لان ما يفعله (ثقافة)، نعم، الثقافة عطاء، لكن العطاء لا يعني ان نعتاد ما يقدمه الاخرون حتى يصبح في نظرنا امراً طبيعياً لا يستحق الامتنان.

انا شخصيا ما زلت أحب ان أهدي كتبي.وساظل افعل ذلك. ليس لانني اعتقد ان الاخرين مطالبون بان يفعلوا مثلي، وانما لانني اجد في الاهداء متعة خاصة، أن اضع كتابا من كتبي في يد انسان واقول له بطريقة غير مباشرة: اردتك ان تكون جزءا من هذه الرحلة.

وربما لهذا السبب تحديداً، اصبحت ارى ان بعض النسخ الموقعة ليست مجرد كتب.

انها رسائل صغيرة مكتوبة على الورق.

رسالة تقول: رايت جهدك، واقدر حضورك.

وفي عالم يزداد فيه كل شيء سرعة، ربما نحتاج اكثر من اي وقت مضى الى هذه التفاصيل التي لا تكلف كثيرا، لكنها تمنح الاشياء معناها.فليست كل الاشياء تقاس بثمنها.

بعضها يقاس بما تقوله لنا دون ان ينطق.


مشاهدات 27
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/10/07 - 2:25 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 2:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 12567 الكلي 16597736
الوقت الآن
الخميس 2026/10/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير