الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في الذكرى السنوية لرحيل مام جلال2026.. الطالباني رجل التسويات عند الملمّات

← بواسطة azzaman

في الذكرى السنوية لرحيل مام جلال2026.. الطالباني رجل التسويات عند الملمّات

ابراهيم بحر العلوم

 

لماذا بقيت ذاكرة المواطن العراقي عصية على النسيان، تختزن في تلافيفها صورة الرئيس جلال طالباني، بعد سنوات من غيابه؟ ولماذا تحتفظ ذاكرة العراقيين، ولا سيما في الوسط والجنوب، بصورته بوصفه صانع التوازنات في زمن الأزمات، ورجل التسويات في زمن الملمات؟

اتسم تاريخ العراق الطويل بتعاقب الأزمات، حتى غدا الاستقرار فيه استثناء كثيرا ما تقاطعه النزاعات والانقسامات. ولذلك فإن من يمسك بصولجان الحكم في بلاد الرافدين لا تكفيه قوة السلطة، بل يحتاج إلى فقه المجتمع، وفهم تعدديته، وإتقان فن التسوية؛ لا بوصفها تنازلا عن المبادئ، وإنما وسيلة لحماية الدولة ومنع تصدعها.

وليس من السهل أن نجد بين الزعماء السياسيين من يمتلك هذه الميزة. فقد بنى جلال طالباني سلوكه السياسي على ثلاثية آمن بها في زمن النضال ضد الدكتاتورية، واستمر يعمل على هديها في مرحلة بناء الدولة الديمقراطية: الحقوق الكردية، والشراكة الوطنية، والتسوية الديمقراطية.

كان ينظر بعين إلى كردستان وبأخرى إلى بغداد، ويحاول من وراء نظارتيه أن يرى العراق الكبير. كانت بغداد عنده بوصلة الدولة، وكانت كردستان الجذر الذي يستمد منه هويته وصلابته، أما العراق فكان الأفق الجامع الذي لا يستقر إلا بشراكة أبنائه.

كان كرديا مخلصا لقضية شعبه، حمل همومه في السلم والحرب، ودافع عن حقوقه القومية؛ لكنه كان، في الوقت نفسه، عراقيا يؤمن بأن الشراكة أساس استقرار الدولة، وأن التنوع لا ينبغي أن يكون سببا للصراع، بل قاعدة لبناء تلك الشراكة. لذلك لم ير تناقضا بين إخلاصه لكردستان وانتمائه إلى العراق، وإنما حاول أن يجعل من الأول مدخلا لتقوية الثاني.

امتلاك كاريزما

تميزت شخصيته ببراغماتية ومرونة عاليتين، وهما صفتان تحتاج إليهما فضاءات العراق السياسية والاجتماعية المعقدة. وقد منحته قدرته على التواصل إمكان العمل مع المؤيدين والخصوم والمعارضين في آن واحد. كان يمتلك كاريزما الأخ والأب السياسي، ويحمل معه عدة إطفاء الحرائق كلما اشتعل خلاف بين بغداد والإقليم، أو بين القوى السياسية، أو داخل المكون الواحد.

كان رجل الموازنات بين كردستان وبغداد، ورجل الواقعية السياسية الذي يدرك أن العراق لا يحكم بالغلبة الدائمة، وأن انتصار طرف على آخر قد يكون مقدمة لخسارة الوطن كله. لذلك ظل، بعد غيابه، فراغ لم تستطع الحياة السياسية ملأه؛ إذ بقي العراق يبحث عن شخصية تؤدي دور الجسر لا الجدار.

أما المفارقة الكبرى في إرث طالباني، فهي أن نجاحه الشخصي في صناعة التوازنات وإدارة الأزمات لم يتحول إلى نظام مؤسسي دائم. لقد نجح الرجل بفضل خبرته وشبكة علاقاته ومرونته، لكن الدولة لم تنجح في تحويل تلك الخبرة إلى قواعد ومؤسسات وآليات دستورية راسخة، يستطيع العراق أن ينعم في ظلها بعد غياب الأشخاص.

وحين ننظر إلى علاقات جيل الآباء المؤسسين، رحم الله من مضى منهم وحفظ الباقين، نجد أنها كانت ذات طبيعة مميزة. لم تكن مجرد تحالفات مصلحية عابرة، بل علاقات رفقة وطنية ونضال مشترك، تأسست على الاعتراف المتبادل بالمكانة والدور، وعلى القدرة على الاختلاف من دون القطيعة.

وتقدم علاقة جلال طالباني بالسيد محمد بحر العلوم نموذجا واضحا لهذه الروح. فقد رأى السيد بحر العلوم في طالباني قائدا عراقيا كرديا وشريكا في بناء البديل الديمقراطي، فيما رأى طالباني في بحر العلوم أخا كبيرا ومرجعية وطنية موثوقة، قادرة على تجاوز الاصطفافات القومية والحزبية، والإسهام في جمع المختلفين وإطفاء النزاعات.

وتوثق رسالة طالباني الخطية المؤرخة في 3 كانون الأول 1994 عمق هذه العلاقة؛ إذ خاطب السيد بحر العلوم بعبارة: «سيدنا العزيز»، ووصفه بأنه «الأخ الكبير العزيز والأستاذ الوطني العراقي الكبير»، مؤكدا أن قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني تحمل له «التقدير العالي والاحترام العميق»، ثم ختم رسالته بتوقيع ذي دلالة: «أخوكم المخلص، جلال طالباني».

لم تكن هذه العبارات مجاملة بروتوكولية؛ فقد كان الرجلان يعملان داخل دائرة الهم الوطني، ويمتلكان خبرة التدخل لإطفاء الحرائق، بصرف النظر عن هوية أطرافها، ما دامت مشتعلة على الأرض العراقية وتهدد وحدة المجتمع ومستقبل الدولة. ومع ذلك، احتفظ كل منهما باستقلاله في الرؤية والموقف؛ فلم تمنع الصداقة بحر العلوم من توجيه النقد إلى القيادات الكردية عند الاقتتال، كما لم يمنع الاختلاف طالباني من الإصغاء إليه واحترام مكانته.

لقد كانت علاقتهما نموذجا للصداقة السياسية النقدية التي جعلت من الثقة الشخصية والشراكة الوطنية أساسين للعمل العام.

خاتمة

هل يمكن لنا، في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة من تاريخ بلدنا ومنطقتنا، وفي ظل أجواء حرب لا نعرف مآلاتها ولا أين ستكون نهايتها، أن نتخيل الآباء المؤسسين وقد أطلوا من أجداثهم، فنظروا إلى ما نحن عليه اليوم؟ ماذا سيكون موقفهم؟ كيف سيتحركون؟ وإلى أين سيتجهون؟

قد يبدو هذا التساؤل ضربا من الخيال، لكنه في حقيقته دعوة إلى مراجعة التاريخ، لا لاستحضار رجاله بصورة عاطفية، وإنما لفهم طرائق تفكيرهم وأدائهم في مواجهة الأزمات. ماذا كانوا يفعلون عندما تضيق مساحات التفاهم؟ وكيف كانوا يحافظون على الجسور في أوقات الانقسام؟ وبأي ميزان كانوا يوازنون بين المبادئ وضرورات التسوية، وبين حقوق المكونات ومصلحة الوطن الكبرى؟

إن الأحداث لا تعيد نفسها بالصورة ذاتها، لكنها تتكرر بأشكال مختلفة، فيما تبقى كثير من دوافعها ومخاطرها متشابهة. ومن هنا، فإن الوفاء لجلال طالباني ولجيل الآباء المؤسسين لا يكون بمجرد استذكار مواقفهم، بل بتحويل خبراتهم إلى ثقافة سياسية ومؤسسات وطنية؛ تعيد الاعتبار إلى الحوار، وتصون الشراكة، وتجعل من التسوية قوة لحماية الدولة، ومن الاختلاف طريقا إلى التكامل لا ذريعة للقطيعة.

فالعراق اليوم لا يحتاج إلى استنساخ رجالات الماضي، بقدر حاجته إلى استعادة حكمتهم وروحهم الوطنية وقدرتهم على بناء الجسور في زمن الحرائق.

 

 


مشاهدات 41
الكاتب ابراهيم بحر العلوم
أضيف 2026/09/30 - 3:00 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 209 الشهر 209 الكلي 16585378
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير