الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السينما العراقية في العصر الرقمي فرصة جديدة

← بواسطة azzaman

من ذاكرة الصالات إلى أفق المستقبل

السينما العراقية في العصر الرقمي فرصة جديدة

عصام البرّام

 

لم تكن السينما في العراق، في يوم من الأيام، مجرد وسيلة للترفيه أو مكاناً لمشاهدة الأفلام، بل كانت جزءاً من الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة العراقية، ونافذة يطل من خلالها الإنسان العراقي على العالم، ويتعرف إلى ثقافات وتجارب وأفكار مختلفة. فمنذ بدايات العرض السينمائي في بغداد عام 1909، أخذت دور السينما تنتشر في العاصمة والمحافظات، حتى أصبحت الصالات جزءاً من المشهد الحضري وذاكرة المدن وطقوس الحياة الاجتماعية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن بغداد شهدت في مراحل مختلفة عشرات دور العرض، وأن السينما تحولت إلى فضاء يجتمع فيه الناس والعائلات والشـــــــــباب، وإلى محطــة ثقافية مؤثرة في تشكيل الذائقــــــــة العامــــــــة.  ولذلك فإن الحديث عن تراجع السينما العراقية بعد عام 2003 لا ينبغي أن ينحصر في مسألة عدد الأفلام المنتجة أو عدد الصالات التي أغلقت أبوابها، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره تراجعاً لمنظومة ثقافية وفنية واجتماعية متكاملة. فقد أدت الظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية، إلى جانب ضعف الاستثمار وقلة الدعم المؤسسي، إلى انحسار دور العرض، وتحول عدد كبير منها إلى مخازن ومحال وورش ومرافق تجارية أخرى. وتشير مصادر عراقية إلى أن عدد دور السينما في بغداد تقلص بصورة كبيرة بعد عام 2003، فيما اختفت دور العرض من مدن ومحافظات كانت السينما فيها جزءاً من حياتها الثقافية.

والمؤلم في هذه الصورة أن كثيراً من الأبنية التي كانت تحمل أسماءً راسخة في ذاكرة العراقيين لم تعد تؤدي وظيفتها الثقافية. فسينما كانت ذات يوم مكاناً تلتقي فيه العائلة والشباب والمثقفون، أصبحت في بعض الحالات مجرد مساحة تجارية، وكأن جزءاً من ذاكرة المدينة قد جرى محوه بصمت. السينما ليست شاشة فقط بل مؤسسة ثقافية واجتماعية تكمن أهمية السينما في قدرتها الاستثنائية على الجمع بين الفن والفكر والتاريخ والمجتمع. فالفيلم ليس صورة متحركة فحسب، وإنما وثيقة بصرية يمكن أن تحفظ تفاصيل المكان والزمان والإنسان، وأن تقدم قراءة للتحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يعيشها المجتمع.

وقد كانت دور السينما العراقية تؤدي هذه الوظيفة بصورة واضحة. فالعائلة كانت تذهب إلى السينما بوصفها نشاطاً اجتماعياً، والشاب كان يجد فيها فضاءً للتسلية والمعرفة، والمثقف كان يتابع من خلالها التيارات السينمائية والفنية العالمية. وكانت الصالات، في مراحل ازدهارها، جزءاً من الحياة العامة وليست مجرد منشآت تجارية. وقد وصفت دراسات عراقية دور السينما بأنها «محطات للثقافة»، لأن غيابها يعني فقدان فضاء مهم للتواصل الثقافي والاجتماعي.

ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للسينما لا تعني فقط إعادة تأهيل بنايات قديمة أو إنشاء صالات جديدة، وإنما تعني استعادة وظيفة ثقافية غابت عن المجتمع العراقي. فالسينما تستطيع أن تكون وسيلة للتربية الجمالية، وتعزيز الحوار، ونشر الوعي، والتعريف بتاريخ العراق وتراثه، وإعادة قراءة الأحداث التي مر بها المجتمع بعيداً عن الخطاب المباشر والمواعظ التقليدية.

والعراق، في هذا المجال، يمتلك مادة غنية بصورة استثنائية. فالتاريخ العراقي القديم والحديث، وتنوع مدنه وبيئاته، وتعدد مكوناته الاجتماعية، والحروب والتحولات الكبرى التي مر بها، كلها موضوعات يمكن أن تنتج عشرات الأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة. وقد أشار مختصون إلى أن حجم الحكايات العراقية وتجارب المجتمع لا يتناسب مع حجم الإنتاج السينمائي الذي ظهر خلال السنوات الماضية.

إن السؤال الحقيقي هنا ليس: لماذا لا ينتج العراق أفلاماً كثيرة؟ بل: لماذا لم تتحول هذه الثروة البشرية والتاريخية والثقافية إلى صناعة سينمائية مستدامة؟

لقد شهدت السينما العراقية بعد عام 2003 محاولات فردية مهمة، واستطاع عدد من المخرجين والفنانين الوصول إلى مهرجانات عربية ودولية، لكن المشكلة بقيت في غياب المنظومة المتكاملة التي تربط بين التعليم والإنتاج والتوزيع والعرض. فوجود مخرج موهوب أو فيلم ناجح لا يكفي لبناء صناعة. الصناعة تحتاج إلى مؤسسات وتمويل وتدريب واستوديوهات وشركات إنتاج وشبكة صالات وجمهور قادر على مشاهدة الأفلام.

ربما تبدو المفارقة واضحة في عصرنا الحالي: في الوقت الذي تراجعت فيه الصالات العراقية، شهد العالم ثورة هائلة في صناعة السينما وتقنيات إنتاجها وتوزيعها. لقد تغير مفهوم الفيلم نفسه؛ فالكاميرات الرقمية جعلت الإنتاج أقل كلفة، وبرامج المونتاج والمؤثرات الصوتية والبصرية أصبحت في متناول أجيال جديدة، والمنصات الرقمية أتاحت للفيلم أن يصل إلى جمهور يتجاوز حدود المدينة والدولة.

وهنا تحديداً ينبغي أن تتغير النظرة إلى مستقبل السينما العراقية. فإعادة بناء السينما لا تعني العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما الاستفادة من الماضي لبناء نموذج جديد يتناسب مع العصر الرقمي. ومن الخطأ أن تكون الخطط الثقافية مبنية على مفهوم السينما الذي كان سائداً قبل عقود، في حين أن العالم انتقل إلى نماذج جديدة في الإنتاج والتوزيع والمشاهدة.

لقد أصبح بالإمكان إنشاء صالات سينمائية حديثة بمواصفات تقنية متطورة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تتحول بعض الصالات التاريخية إلى مراكز ثقافية متعددة الوظائف تضم السينما والندوات والمعارض وورش صناعة الأفلام. كما يمكن إنشاء منصات عراقية رقمية لعرض الأفلام المحلية، ودعم الأفلام القصيرة والوثائقية، وتشجيع الشباب على صناعة محتوى سينمائي يستفيد من الهواتف والكاميرات الرقمية والتقنيات الحديثة.

والأهم من ذلك أن الجهات المعنية بالشأن الثقافي والفني مطالبة بإعادة النظر في مفهوم الدعم. فالدعم الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على تمويل إنتاج فيلم هنا أو إقامة مهرجان هناك، وإنما يجب أن يتحول إلى سياسة ثقافية طويلة الأمد، تتعامل مع السينما باعتبارها صناعة وثقافة في آن واحد.

إن الدولة، ووزارة الثقافة والمؤسسات المعنية بالفن، والقطاع الخاص، والجامعات، ونقابات الفنانين، جميعها مطالبة بصياغة رؤية مشتركة لإحياء السينما العراقية. ويمكن أن يبدأ ذلك بإجراء مسح شامل لدور السينما القديمة في بغداد والمحافظات، وتحديد الأبنية ذات القيمة التاريخية، والعمل على حماية ما يمكن إنقاذه منها وتأهيله، بالتوازي مع إنشاء صالات جديدة في المدن التي تفتقر إلى دور العرض.

كما أن الاستثمار الخاص ينبغي أن يجد طريقه إلى هذا القطاع عبر الحوافز والتسهيلات، لأن السينما لا يمكن أن تبقى أسيرة التمويل الحكومي وحده. فالصناعة السينمائية الناجحة تحتاج إلى سوق، والسوق يحتاج إلى جمهور، والجمهور يحتاج إلى صالات مريحة وآمنة وعروض متنوعة وأسعار مناسبة. وإذا توفرت هذه العناصر فإن السينما يمكن أن تتحول من عبء على المؤسسات الثقافية إلى قطاع اقتصادي وثقافي قادر على خلق فرص العمل وتحريك قطاعات أخرى مرتبطة به.

وفي هذا السياق تبدو مشاريع ترميم الأفلام العراقية وأرشفتها رقمياً خطوة مهمة لاستعادة الذاكرة البصرية للبلاد. وقد شهد عام 2025 الإعلان عن مشروع «سينماتيك العراق» المعني بترميم الأفلام العراقية وأرشفتها رقمياً، وهو اتجاه يمكن أن يمثل بداية مهمة إذا ارتبط بمشروع أوسع لإحياء الصناعة السينمائية وليس بمجرد حفظ الماضي. الجزيرة نت

إن العراق لا يحتاج إلى استعادة السينما القديمة كما كانت، بل يحتاج إلى صناعة سينما جديدة تستفيد من تاريخها وتستجيب لأسئلة حاضرها. المطلوب هو سينما عراقية حديثة، مفتوحة على العالم، تستفيد من التكنولوجيا، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتها وهويتها.

إن إعادة دور السينما إلى بغداد والمحافظات ليست مشروعاً ترفيهياً هامشياً يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم، بل هي جزء من إعادة بناء الحياة الثقافية العراقية. فالمدينة التي تخلو من المسارح والمتاحف ودور السينما والمراكز الثقافية تفقد شيئاً من قدرتها على صناعة الحوار والخيال والوعي.

ولذلك كان من الأجدر بالجهات التي تولت الملف الثقافي والفني بعد عام 2003 أن تجعل من إعادة تأهيل دور السينما واحداً من مشاريعها الأساسية، وأن تتعامل مع الصالات التاريخية باعتبارها جزءاً من التراث الثقافي والعمراني للمدن العراقية، لا باعتبارها عقارات يمكن أن تتحول ببساطة إلى محال أو مخازن. وقد ظهرت خلال السنوات الماضية دعوات عراقية متكررة لإحياء هذه الصالات والحفاظ على قيمتها التاريخية والثقافية.

إن المطلوب اليوم رؤية تتجاوز الحنين إلى الماضي. لا يكفي أن نقول إن بغداد كانت تمتلك عشرات دور السينما، ولا أن نستعيد أسماء الرشيد وروكسي والوطني والحمراء وغيرها بوصفها ذكريات جميلة. المطلوب أن تتحول هذه الذاكرة إلى مشروع للمستقبل.

فيمكن أن تصبح بعض الصالات التاريخية مراكز للسينما والفنون الرقمية، وأن تستضيف عروض الأفلام العراقية والعربية والعالمية، وأن تقام فيها مهرجانات وورش للكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج. ويمكن ربطها بالجامعات والمعاهد الفنية، بحيث يجد الطالب العراقي مكاناً يتعلم فيه ويشاهد ويناقش وينتج.

كما ينبغي أن يكون للسينما حضور أكبر في التعليم والثقافة المجتمعية. فتعليم الشباب قراءة الصورة وفهم الفيلم والنقد السينمائي يمكن أن يسهم في بناء جيل أكثر قدرة على التعامل مع المحتوى الرقمي الهائل الذي يحيط به. وفي عصر أصبحت فيه الصورة وسيلة أساسية للتأثير في الرأي العام، فإن الثقافة السينمائية لم تعد ترفاً، بل أصبحت جزءاً من الثقافة العامة.

لقد تغير العالم، ولم تعد السينما محصورة في قاعة مظلمة وشاشة كبيرة فقط. لكنها، رغم ذلك، لم تفقد أهميتها. بل إن التجربة الجماعية لمشاهدة فيلم داخل صالة لا تزال تحمل قيمة اجتماعية وثقافية لا تستطيع المشاهدة الفردية عبر الهاتف أو الحاسوب أن تعوضها بالكامل.

ومن هنا فإن إنقاذ السينما العراقية ينبغي أن يبدأ من الاعتراف بأن ما فقدناه لم يكن مجرد أبنية، وإنما فضاءات للذاكرة والحوار والجمال. وما نحتاج إليه ليس إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإنما استثمار التكنولوجيا في إعادة بناء علاقة جديدة بين الإنسان العراقي والفيلم.

إن السينما العراقية قادرة على النهوض من جديد، شريطة أن تتوافر لها الإرادة والرؤية والتخطيط. فالعراق يمتلك التاريخ، والقصص، والمواهب، والذاكرة، والطاقات الشابة. وما ينقصه هو مشروع مؤسسي واضح يجعل السينما جزءاً من التنمية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

وإذا كانت الصالات القديمة قد أغلقت أبوابها، فإن ذلك لا يعني أن الشاشة العراقية يجب أن تنطفئ. بل ربما يكون العصر الرقمي هو الفرصة التي طال انتظارها لكي تفتح السينما العراقية نافذة جديدة على العالم، وتستعيد مكانتها بوصفها فناً وصناعة وذاكرة وهوية وجسراً بين العراق والعالم. إن إعادة بناء السينما ليست استعادة لماضٍ جميل فحسب، بل هي استثمار في مستقبل الثقافة العراقية.


مشاهدات 44
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/09/26 - 12:57 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 77 الشهر 45595 الكلي 16578115
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير