الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كلاب وقطط سعيدة

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

كلاب وقطط سعيدة

ياس خضير البياتي  

 

في كل صيف، حين أهرب من حرّ العراق إلى تركيا وبعض الدول الأوروبية، أكتشف أنني لا أهرب من الطقس وحده، بل من حياة كاملة قررت أن تجعل المواطن يتدرّب يوميًا على الصبر.

وهناك اكتشاف آخر أكثر إيلامًا: الكلاب والقطط في تلك البلاد تعيش حياة أفضل من كثير من البشر عندنا!

رأيت في تركيا رجلًا يمشي مع كلبه، يحمل له الماء، ويطعمه، وينظف مكانه، ويعتني به كأنه أحد أفراد العائلة. ورأيت قططًا لها بيوت صغيرة في الشوارع، وطعام وماء، وبعضها يدخل المحال والمطاعم وكأنه صاحب المكان.

قلت في نفسي: يا سبحان الله! هذا القط لم يحصل على شهادة جامعية، ولم ينتخب أحدًا، ولم يدفع ضرائب، ولم يراجع دائرة حكومية، ومع ذلك يعيش محترمًا ومدللًا!

أما المواطن العربي، فيحتاج إلى معجزة صغيرة كي يحصل على كهرباء مستمرة، ومعجزة أكبر كي يجد ماءً صالحًا، ومعجزة ثالثة كي يدخل مستشفى ويخرج منه دون أن يبيع نصف راتبه.

في أوروبا، رأيت كلابًا تُنقل في السيارات المكيّفة، وتدخل العيادات البيطرية، وتحصل على اللقاحات والأطعمة الخاصة. أما المواطن العربي فيدخل سيارة أجرة في شهر آب، فيجد السائق يقول له:المكيف عطلان... تحملنا!

والغريب أن الحيوان هناك لا يعرف شيئًا اسمه «انقطاع الكهرباء. القطة تنام تحت التبريد المركزي، والكلب يخرج للنزهة، بينما المواطن العربي يجلس أمام مروحة متوقفة وينظر إلى السقف منتظرًا عودة التيار، وكأنه ينتظر عودة حبيب غائب منذ عشرين عامًا.

وحين تضيق الدنيا بالمواطن، يبدأ بالتفكير في الهجرة. يهرب إلى تركيا، أو أوروبا، أو كندا، أو أستراليا، بحثًا عن «مستقبل أفضل». والحقيقة أنه لا يبحث عن مستقبل خارق. إنه يريد فقط شيئًا بسيطًا جدًا: كهرباء لا تنقطع، ماء لا ينقطع، شارعًا لا يغرق، ومستشفى يجد فيه الطبيب والدواء.

أما الحيوان الأوروبي فقد حصل على هذه الأشياء من دون أن يطلبها أصلاً.

لقد بدأت أشك أن القطط هناك أكثر حظًا منا. فالقطة لا تعرف «راجعنا غدًا»، ولا «المعاملة ناقصة»، ولا «السيستم عطلان»، ولا «المسؤول في اجتماع»، ولا «اصبر إلى الأسبوع المقبل». كل ما عليها أن تفعله هو أن تموء... فيأتيها الطعام!

أما المواطن العربي، فقصته مختلفة؛ يبدأ حياته بالمواء، ويقضي شبابه في المواء، ويصل إلى الشيخوخة وهو ما يزال يموء، ثم يموت وفي فمه آخر مواء.موء من الجوع، فيقال له: اصبر. يموء من الحر، فيقال له: تحمّل. يموء من انقطاع الكهرباء، يقال له: هناك خطة.يموء من البطالة، فيقال له: اصنع مستقبلك بنفسك. يموء من الفقر، فيقال له: الوطن غالٍ. وفي النهاية، وبعد كل هذا المواء، يظهر الحاكم على الشاشة مبتسمًا، ويقول له: “نحن نشعر بمعاناتكم»!

المواطن العربي، عليه أن يراجع خمس دوائر، ويجمع عشر وثائق، ويأخذ سبعة أختام، ثم يعود إلى البيت ليجد الكهرباء قد انقطعت. ومع ذلك، لا نريد أن نظلم بلادنا؛ فالقطط والكلاب عندنا أيضًا سعيدة أحيانًا. لكنها سعيدة على مسؤوليتها الخاصة. أما هناك، فالدولة والمجتمع والناس يتشاركون في جعل حياة الحيوان أكثر أمانًا وراحة.

وفي نهاية رحلتي، ظل سؤال واحد يطاردني: كيف استطاعوا أن يحترموا حياة الحيوان إلى هذا الحد، بينما ما زلنا عاجزين عن توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للإنسان؟

وفي ليلة حارة، تخيلت “عليوي”في بيته العربي الصغير، ينام جائعًا، يتقلب فوق فراش ساخن، والمروحة واقفة، والكهرباء غائبة، والماء شحيح، والغد مجهول.وفي الجهة الأخرى من العالم، كانت قطة واثقة من نفسها تنام شبعى، تحت برودة هواء التبريد المركزي، بعد أن تناولت عشاءها بهدوء.

نظرت القطة إلى صاحبها، ثم أغمضت عينيها. أماعليوي فقال:»الحمد لله... المهم الصحة.»فضحكت في سري: حتى هذه القطة عندها تبريد مركزي... وحسنيين عنده دعاء مركزي!

وهنا أدركت أن السؤال لم يعد: من يعيش أفضل، الإنسان أم الحيوان؟بل أصبح أكثر إحراجًا:كيف وصلنا إلى زمن يتمنى فيه الإنسان العربي أن يعيش حياة قطة تركية أو كلب أوروبي؟

وبعد كل ما رأيت، اكتشفت أن بلادنا ليست خالية تمامًا من الكلاب المدللة. هناك واحد فقط يعيش أفضل من قطط أوروبا وكلاب تركيا. إنه الحاكم بالله... لا تنقطع عنه الكهرباء، ولا ينقصه الطعام، ولا يعرف طابورًا ولا مولدة ولا شحّ ماء.

والفرق أن القطة الأوروبية تموء فيسمعها صاحبها، أما المواطن العربي فيموء عمره كله، من الولادة إلى القبر؛ فلا أحد يسمعه، ولا أحد يطعمه، ولا أحد حتى يدفنه!

yaaas@hotmail.com

 

 


مشاهدات 72
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/08/16 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/08/17 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 178 الشهر 18066 الكلي 16107770
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير