الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أعيدوا الينا نصبنا

بواسطة azzaman

أعيدوا الينا نصبنا

شوقي كريم حسن

 

هذا النصب الجميل استقر لسنوات عند بوابة مدينة الثورة (الصدر)، في ساحة مظفر، وكان معلماً جميلاً من معالم بهاء المدينة، مدينةٍ عانت من الحرمان أكثر من كل مدن العراق الباقيات.اختفى النصب بعد متغيرات الاحتلال، حتى كادت المدينة أن تنساه، لكنه ظهر بغتة عند بوابة دار الأزياء، كأن زمناً قديماً خرج من بين الركام ليقول لأبناء المدينة: أنا ما زلت هنا.

ونحن اليوم لا نطالب بقطعة من البرونز أو الحجر، ولا نستعيد تمثالاً لمجرد أنه كان واقفاً في ساحة. نحن نطالب باستعادة ذاكرة مدينة.

ساحة مظفر لم تكن مجرد مكان يعبره الناس؛ كانت جزءاً من وجه المدينة، والنصب كان شاهداً على زمن كانت فيه مدينة الثورة، رغم الفقر والقسوة والحرمان، تحاول أن تصنع لنفسها شيئاً من الجمال.هذه المدينة التي أعطت العراق من أبنائها الكثير، وحملت فوق ظهرها سنوات طويلة من الإهمال، تستحق أن تُعاد إليها ذاكرتها لا أن تُمحى منها.نريد النصب في مكانه الأول، عند بوابة المدينة، حيث يعرفه الناس، وحيث ظل طويلاً جزءاً من المشهد وذاكرة العابرين.

أعيدوا النصب إلى ساحة مظفر.

ليس لأننا نريد أن نعيد الماضي كما كان، فالماضي لا يعود، وإنما لأن المدن التي تفقد ذاكرتها تفقد شيئاً من روحها.دعوا أبناء مدينة الثورة(الصدر) يرون شيئاً جميلاً عند مدخل مدينتهم، شيئاً يقول لهم إنهم لم يكونوا يوماً خارج حسابات الجمال، وإن هذه المدينة، رغم ما أُخذ منها وما أُهمل فيها، ما زال لها حق في أن تحتفظ بما تبقى من وجهها.أعيدوا النصب إلى مكانه الحقيقي…فثمة أشياء لا يجوز أن تبقى غريبة عن مدينتها. ولعل أكثر ما يؤلم في حكاية هذا النصب أن اختفاءه لم يكن حدثاً صاخباً؛ لم نسمع يومها من يقول: لماذا أُزيل؟ ومن قرر؟ وإلى أين ذهب؟ كأن ذاكرة المدن يمكن أن تُنقل من مكان إلى آخر بلا سؤال، وكأن الأشياء التي أحبها الناس لا قيمة لها حين تتغير الخرائط والسلطات والأمزجة.

لكن المدينة تتذكر.يتذكره الذين كانوا يدخلون مدينة الثورة من بوابة ساحة مظفر، ويتذكره الأطفال الذين كبروا والنصب أمام أعينهم، ويتذكره الذين ربما لم يعرفوا قصته كاملة، لكنهم عرفوا حضوره، وصار جزءاً من الصورة التي تختزنها الذاكرة عن المدينة.

وها هو اليوم يظهر في مكان آخر، بعيداً عن بيته الأول.نراه، فنفرح لأنه لم يُفقد تماماً، ونحزن أكثر لأنه ما زال بعيداً عن المكان الذي ينتمي إليه.

وهنا السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى لجان ولا إلى مؤتمرات:—لماذا لا يعود النصب إلى ساحة مظفر؟

ما المانع؟

إذا كان النصب ملكاً للذاكرة العامة، فلماذا لا يُعاد إلى الناس الذين عاشوا معه سنوات طويلة؟ وإذا كانت المدينة قد تغيرت، فهذا لا يعني أن عليها أن تتخلى عن كل ما يذكّرها بنفسها.مدينة الصدر اليوم ليست المدينة التي كانت بالأمس، ونحن لا نريد أن نحبسها في الماضي، لكننا نريد أن نمنح حاضرها شيئاً من الذاكرة.

فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه، وإنما أيضاً بما تحافظ عليه.والمدينة التي تهدم ذاكرتها بسهولة، قد تجد نفسها ذات يوم واقفة أمام مرآة لا تعرف فيها وجهها.نحن لا نريد معركة حول نصب.

مسألة كبيرة

نريد  أن نقول إن هناك حقاً ثقافياً وجمالياً لأبناء المدينة في أن يستعيدوا معلماً من معالمها.نريد من أمانة بغداد، ومن الجهات المعنية، ومن المثقفين والفنانين وأبناء مدينة الصدر، أن يفتحوا هذا الملف بهدوء ومسؤولية، وأن يسألوا عن تاريخ النصب ومكانه الأول، وعن أسباب نقله، وأن يعملوا على إعادته إذا لم يكن هناك مانع قانوني أو فني.ليست المسألة كبيرة في حساب المدن الكبرى، لكنها كبيرة جداً في قلب مدينة تعوّدت أن تخسر أشياءها بصمت.لقد خسرنا كثيراً.خسرنا شوارع، وأشجاراً، وملامح، وذكريات، وأسماءً، ووجوهاً كانت تجعل المكان مكاناً.فلا تجعلوا خسارتنا الجديدة صامتة أيضاً.دعوا النصب يعود.

دعوه يقف مرة أخرى عند ساحة مظفر، لا ليحكي لنا عن زمن مضى، بل ليقول للأجيال الجديدة إن مدينتهم كانت، وما زالت، تستحق الجمال.

أعيدوا النصب إلى ساحة مظفر

فقد آن للمدينة أن تسترد شيئاً صغيراً من أشيائها الكبيرة التي أخذتها السنوات منها!

 

 


مشاهدات 78
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/08/16 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/08/17 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 18069 الكلي 16107773
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير