الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما تحدثت گوگوش العربية في رواية ياسين غالب الجديدة.


عندما تحدثت گوگوش العربية في رواية ياسين غالب الجديدة.

أمير الخطيب

 

ليست “گوگوش” في رواية “گوگوش.. هذه الليلة سجادة فارسية” مجرد المغنية الإيرانية التي صمتت واحدًا وعشرين عامًا قبل أن تعود إلى المسرح عام 2000. إنها استعارة لذاكرة كاملة، ولصوتٍ حُرم من الغناء، ثم عاد ليكتشف أن العالم تغيّر أكثر مما كان يتوقع.

لكن المفاجأة التي يصنعها ياسين غالب هي أن “گوگوش”، في هذه الرواية، تتحدث العربية. لا لأنها تتقنها، بل لأن الحكاية تمنحها لغةً أخرى؛ لغة العراقيين الذين عاشوا خسارات تشبه خسارتها، والمنفيين الذين اكتشفوا أن الحدود السياسية لا تستطيع أن تمنع الذكريات من السفر.

في ليلة الحفل التاريخي في تورنتو، حيث تعود “گوگوش” إلى جمهورها بعد عقود من الصمت، يلتقي بها شاب من البصرة يحمل من المنافي ما يكفي ليعرف أن الأغنيات لا تموت. وهناك أيضًا “گوگوش” أخرى؛ فتاة عراقية هُجّرت من وطنها في العام نفسه الذي صمت فيه صوت المغنية الإيرانية. اسمٌ واحد، لكن سيرة منفيين، وسؤال واحد: ماذا تفعل الذاكرة حين يصبح الوطن بعيدًا؟

من هذا اللقاء، تنطلق رحلة بين طهران والبصرة، ورفحاء، وميسيساغا، ولندن؛ حيث لا تبدو المدن مجرد محطات على الخريطة، بل طبقات من الحنين، وأماكن ترك فيها الأبطال شيئًا من أرواحهم. لا تبحث الرواية عن بطولة فردية، بل عن الذاكرة المشتركة بين شعبين عاشا انقلاب التاريخ، كلٌّ بطريقته. لذلك تبدو “گوگوش” أقرب إلى شخصية روائية منها إلى نجمة غناء؛ امرأة تبحث عن زمنها، كما يبحث الشاب العراقي عن مدينته، وكما تبحث “گوگوش” العراقية عن حياتها التي انقطعت ذات يوم.

والذاكرة هي البطل الحقيقي في الرواية؛ فهي الثيمة التي بُني عليها العمل، لا الأحداث وحدها. ويضيف الكاتب عنصرًا سرديًا معاصرًا حين يجعل الشخصيات تسجل ذكرياتها في بودكاست، وكأنها تحاول مقاومة النسيان بوسيلة حديثة. فالصوت، الذي مُنع يومًا من الغناء، يعود اليوم ليروي، وليحفظ ما عجز التاريخ الرسمي عن تدوينه. وهكذا يتحول البودكاست إلى أرشيف شخصي، ومحاولة لترميم ذاكرة تكسرت بين المنافي.

لا تبحث الرواية عن إجابات جاهزة، بقدر ما تطرح أسئلة مؤلمة: هل يمكن استعادة الماضي إذا عدنا إلى الأماكن التي غادرناها؟ وهل المنفى جغرافيا، أم حالة تستقر في الإنسان أينما ذهب؟ وهل تكفي الذكريات لإنقاذ ما تبقى من الحياة، أم أنها تزيد الفقد عمقًا؟

وفي رحلة البحث عن الماضي، يكتشف الشاب و”گوگوش” أن ما تغيّر ليس المدن وحدها، بل البشر أيضًا. فالعودة لا تعيد الزمن، لكنها تمنح فرصة أخيرة لمواجهة ما ظل مؤجلًا سنوات طويلة، وإعادة قراءة الحكايات التي صنعتهم.

“گوگوش.. هذه الليلة سجادة فارسية” ليست رواية عن حفلة غنائية، ولا عن سيرة فنانة، بل عن الشرق الأوسط وهو يعيد سرد نفسه من خلال ثلاثة أشخاص يحملون أسماءً وذكرياتٍ وأوطانًا مختلفة، لكنهم يكتشفون أن الفقد يتحدث اللغة نفسها.

إنها رواية عن العودة التي لا تعيد شيئًا، وعن المنفى الذي يرافق الإنسان حتى وهو يظن أنه وصل، وعن الموسيقى التي تتحول إلى جسر بين العربية والفارسية، وبين البصرة وطهران، وبين الماضي الذي لا ينتهي، والحاضر الذي يحاول أن يفهمه.

وربما لهذا السبب، عندما يقرأ القارئ هذه الرواية، سيشعر أن “گوگوش” لم تغنِّ فقط… بل تحدثت العربية أيضًا.


مشاهدات 52
الكاتب أمير الخطيب
أضيف 2026/08/16 - 2:08 PM
آخر تحديث 2026/08/17 - 2:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 18069 الكلي 16107773
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير