ألف صوت في جسد واحد
نوري جاسم
المونودراما حين تتحول الوحدة إلى عالم من الأصوات. ليس أصعب على الإنسان من أن يقف وحيدًا أمام نفسه. فالإنسان يستطيع أن يهرب من الآخرين، وأن يغلق باب غرفته، وأن يطفئ الأنوار من حوله، وأن يختار الصمت حين تضيق به الكلمات؛ لكنه لا يستطيع أن يهرب من ذاته. هناك، في أعماقه، تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حيث لا جمهور، ولا ستارة، ولا خشبة، ولا ممثلون سوى هو. ومن هنا تبدو المونودراما أكثر من مجرد شكل مسرحي يقوم على ممثل واحد.
إنها، في أحد أعمق معانيها، صورة للإنسان نفسه. ممثل واحد يقف على الخشبة، لكن خلف ذلك الجسد الواحد تختبئ حكايات كثيرة، وذكريات كثيرة، وأسئلة لم تجد جوابًا، وأحلام لم تكتمل، وخيبات لم تُنسَ، وأصوات تتجادل في داخله دون أن يسمعها أحد. إنه جسد واحد... ولكن فيه ألف صوت. صوت الطفل الذي ما زال يسكن الذاكرة، وصوت الشاب الذي كان يحلم بأن يغيّر العالم، وصوت الرجل الذي علّمته الأيام أن العالم لا يتغير بسهولة. صوت العقل حين يحذّر، وصوت القلب حين يغامر، وصوت الضمير حين يرفض، وصوت الروح حين تبحث عن الطريق. ولهذا فإن الممثل في المونودراما لا يقف وحده حقًا. إنه يحمل على كتفيه مدينة كاملة. وكل حركة من يده قد تكون ذكرى، وكل التفاتة قد تكون حوارًا، وكل صمت قد يكون جملة أطول من الكلام. وقد يصبح الكرسي أمامه شخصًا غائبًا، والمرآة خصمًا، والظل صديقًا، والفراغ ذاكرة، والضوء نافذة تطل منها الروح على ماضيها. وهنا تتجاوز المونودراما حدود المسرح لتقترب من الفلسفة. فأليست حياتنا اليومية مونودراما طويلة؟ كم مرة جلسنا وحدنا وبدأنا الحديث مع أنفسنا؟
كم مرة أجبنا عن سؤال لم يطرحه أحد؟ كم مرة خضنا حوارًا كاملًا مع شخص غائب؟
وكم مرة ابتسمنا أمام الناس، بينما كان في داخلنا صوت آخر يبكي؟ ونحن جميعًا نعيش بهذه الطريقة، لكننا نختلف عن الممثل في المونودراما بشيء واحد فقط: هو يملك شجاعة إخراج ما في داخله إلى الخشبة، أما نحن فكثيرًا ما نُبقي مسرحنا الداخلي مغلقًا، ونضع على أبوابه لافتة تقول: ممنوع الاقتراب. لكن الروح لا تعرف كيف تصمت إلى الأبد. إنها تبحث دائمًا عن نافذة.
قد تجدها في كلمة، أو قصيدة، أو دعاء، أو نظرة، أو موسيقى، أو لحظة تأمل صامتة. وقد تجدها في المسرح، حين يتحول جسد واحد إلى مساحة تتسع لآلاف المعاني. وفي المونودراما تحديدًا، يصبح الصمت شخصيةً قائمة بذاتها. فليس كل ما يريد الإنسان قوله يستطيع أن ينطقه.
هناك كلمات أكبر من اللغة، وذكريات أثقل من الكلام، وأوجاع لا تستطيع الشفاه أن تحملها. لذلك قد يكون صمت الممثل أحيانًا أبلغ من أطول مونولوج، لأن الجمهور لا يسمع في ذلك الصمت صوتًا واحدًا، بل يسمع شيئًا من نفسه. وهنا تكمن روعة الفن. وأن ترى شخصًا يقف أمامك، فتكتشف أنك أنت الذي يقف هناك. أن تسمع حكايته، فتتذكر حكايتك. وأن يبكي على الخشبة، فتشعر أن دموعًا قديمة في داخلك وجدت أخيرًا من يبكيها. وأن يتحدث عن وحدته، فتكتشف أنك لست غريبًا عن تلك الوحدة. فالإنسان، مهما بدا محاطًا بالناس، يحمل داخله مساحة لا يدخلها أحد.
هناك غرفة سرية في الروح، نضع فيها ما لا نستطيع قوله. نخبئ فيها خوفنا، وندمنا، وحبنا، وخساراتنا، وأسئلتنا الكبرى:
من أنا؟زماذا بقي مني؟ إلى أين أمضي؟ ولماذا مرّ بعض الناس في حياتي ثم رحلوا، وبقي أثرهم؟ وهل الإنسان هو ما يراه الآخرون منه، أم هو ذلك الكائن الخفي الذي لا يعرفه إلا حين يجلس وحيدًا مع نفسه؟ ربما لهذا تبدو المونودراما قريبة من التجربة الروحية. فالروح أيضًا رحلة من الخارج إلى الداخل.
من ضجيج العالم إلى هدوء القلب. ومن كثرة الأصوات إلى البحث عن الصوت الأصدق.
وفي لحظة ما، قد يكتشف الإنسان أن كل الأصوات التي كانت تتصارع داخله لم تكن تبحث عن الانتصار، بل كانت تبحث عن المصالحة. العقل يريد أن يفهم. والقلب يريد أن يحب.
والذاكرة تريد ألا تنسى. والروح تريد أن تطمئن. وهكذا يقف الإنسان في منتصف هذا كله، كأنه مسرح صغير تدور عليه مسرحية لا تنتهي. لكن أجمل ما في الرحلة أن الإنسان قد يصل يومًا إلى لحظة يسكن فيها الضجيج. لحظة لا يعود فيها محتاجًا إلى أن يثبت شيئًا لأحد.
ولا إلى أن يشرح نفسه للجميع.
ولا إلى أن ينتصر في كل حوار.
عندها يبدأ الصوت الأعمق في الظهور. صوت الروح. وذلك الصوت الذي لا يصرخ، ولا يجادل، ولا يطلب التصفيق.
صوت يشبه اليقين. يشبه السكينة. ويشبه الإنسان حين يعود إلى نفسه بعد رحلة طويلة في طرق الآخرين. وهنا يمكن أن نفهم المونودراما بطريقة أخرى:
ليست حكاية ممثل واحد فحسب، وإنما حكاية إنسان يحاول أن يجمع شتات نفسه.
إنسان يقف أمام مرآته، لا ليسأل: كيف يراني الآخرون؟بل ليسأل:
من أكون حين لا يراني أحد؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل المسرح مرآة، ويجعل الفن رحلة، ويجعل الممثل الواحد قادرًا على أن يحمل عالمًا بأكمله. وفي النهاية، ربما لا تكون المونودراما هي مسرح الشخص الواحد كما نردد في تعريفها المختصر.
ربما هي مسرح الإنسان الذي اكتشف أن الواحد ليس واحدًا تمامًا. ففي كل واحد منا طفل وشيخ، عاشق وعاقل، خائف وشجاع، ماضٍ ومستقبل، ذاكرة وحلم، جرح وأمل. وفي كل واحد منا أصوات كثيرة تبحث عن صوت واحد يجمعها. ولهذا، حين ينتهي العرض، وتنطفئ الأضواء، ويغادر الجمهور مقاعده، يبقى شيء واحد لا ينتهي.
يبقى ذلك السؤال الذي حمله الممثل من الخشبة إلى قلوبنا:
كم صوتًا يسكنك؟ وربما تكون الإجابة: ألف صوت في جسد واحد... لكن خلف كل هذه الأصوات، وفي أعمق نقطة من الروح، هناك صوت واحد فقط نبحث عنه طوال حياتنا:
صوتنا الحقيقي.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..