الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهجرة... حين يضيق الوطن بأبنائه

بواسطة azzaman

الهجرة... حين يضيق الوطن بأبنائه

عباس التميمي

 

ليس أشد مرارة على الإنسان من أن يغادر وطنه وهو يحمل في قلبه حنينًا إليه، وفي عقله قناعة بأن مستقبله لن يولد بين ربوعه، فالهجرة ليست دائمًا رحلة بحث عن الرفاهية، ولا هي مغامرة لاكتشاف العالم، بل هي في كثير من الأحيان اعتراف صامت بأن الوطن لم يعد قادرًا على احتضان أحلام أبنائه.

اعتاد الناس أن يربطوا الهجرة بالحروب والمجاعات والكوارث، لكن الواقع اليوم يكشف صورة مختلفة،  فآلاف الشباب يغادرون أوطانًا تنعم بالأمن النسبي، لا لأن القذائف تتساقط فوق رؤوسهم، وإنما لأنهم فقدوا الإيمان بأن الغد سيكون أفضل من الأمس، وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن تتوقف عنده الحكومات والمجتمعات قبل المفكرين والباحثين: لماذا يهاجر الناس من أوطان لا تعيش الحرب؟

إن السلام، مهما بلغت أهميته، ليس كافيًا لبناء وطن، فالسلام الحقيقي لا يعني فقط غياب البنادق، وإنما حضور العدالة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وصيانة الكرامة الإنسانية ، فما قيمة الأمن إذا كان الشاب يقضي سنوات عمره وهو ينتظر وظيفة لا تأتي؟ وما قيمة الاستقرار إذا كان التفوق العلمي لا يفتح بابًا، بينما تفتحه الواسطة والمحسوبية والولاءات الضيقة؟

لقد أصبح الفساد في بعض المجتمعات أخطر من الحروب نفسها، لأنه لا يهدم الأبنية، بل يهدم الثقة، إنه يقتل الأمل ببطء، ويقنع الإنسان بأن جهده لا قيمة له، وأن مستقبله لا تصنعه كفاءته، بل تصنعه شبكة العلاقات والنفوذ، وعندما يشعر المواطن أن القانون لا يعامل الجميع بالمساواة، وأن المال العام يتحول إلى غنيمة، وأن المناصب تُمنح على أساس الانتماء لا الكفاءة، فإن الهجرة تتحول من حلم إلى ضرورة.

ولا يقل غياب الحريات أثرًا عن غياب فرص العمل، فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج إلى مساحة يفكر فيها بحرية، ويعبر عن رأيه بمسؤولية، ويشارك في بناء وطنه دون خوف، فالكرامة ليست شعارًا سياسيًا، وإنما حاجة إنسانية لا تقل أهمية عن الحاجة إلى الغذاء والمسكن.

ويبقى المشهد الأكثر إثارة للتأمل في عالمنا العربي والإسلامي، فنحن نفتخر بقيمنا الدينية، وتراثنا الأخلاقي، وروابطنا الأسرية المتينة، ونؤكد دائمًا أن مجتمعاتنا أكثر محافظة من المجتمعات الغربية، ومع ذلك، نجد أن الوجهة المفضلة لملايين الشباب هي تلك الدول نفسها التي تختلف عنا في كثير من العادات والتقاليد.

وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر عمقًا، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، فالمهاجر لا يسافر لأنه يبحث عن الانحلال الأخلاقي أو يريد التخلي عن دينه وهويته، بل لأنه يبحث عن دولة تحترم القانون، وتكافئ الاجتهاد، وتحاسب الفاسد، وتحفظ كرامة الإنسان ، لقد اكتشف كثيرون أن قوة الدول لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على بناء مؤسسات عادلة يشعر المواطن في ظلها بأن مستقبله يعتمد على عمله، لا على انتمائه.

وهذا لا يعني أن المجتمعات الغربية خالية من المشكلات أو أنها النموذج الكامل، فلكل مجتمع تحدياته ونقائصه. غير أن كثيرًا من تلك الدول نجحت في بناء مؤسسات قوية، وأنظمة تعليم متقدمة، وقضاء مستقل، وإدارات تحكمها معايير واضحة. ولذلك أصبحت جاذبة للعقول قبل أن تكون جاذبة للأموال.

إن المفارقة المؤلمة ليست في أن الشباب يهاجرون، بل في أن الأوطان تنفق على تعليمهم ورعايتهم سنوات طويلة، ثم تحصد الدول الأخرى ثمرة هذا الاستثمار ، فالأطباء والمهندسون والعلماء والباحثون يغادرون بحثًا عن بيئة تقدّر علمهم، بينما تخسر أوطانهم أهم عناصر نهضتها ، إنها خسارة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما كان يمكن أن يصنعه هؤلاء لو وجدوا البيئة المناسبة للإبداع.

 

ولا ينبغي أن يتحول الحديث عن الهجرة إلى لوم للشباب، فالشباب لا يتركون أوطانهم بسهولة، فالإنسان بطبيعته يعشق الأرض التي وُلد عليها، ويتعلق بأهله وذكرياته ولغته وثقافته،  لكنه عندما يشعر بأن أحلامه تموت ببطء، يصبح الرحيل محاولة لإنقاذ ما تبقى من عمره.

إن القضية ليست اقتصادية فقط ، وليست سياسية فقط، وليست ثقافية فقط ، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من الإخفاقات، فحين تجتمع البطالة مع الفساد، ويترافق ضعف الخدمات مع غياب العدالة، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، يصبح الوطن بيئة طاردة، حتى لو خلا من الحرب.

ولعل أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة هو أن يصبح حلم أطفالها وشبابها ليس بناء الوطن، بل مغادرته،  عندها لا تكون الأزمة أزمة هجرة، وإنما أزمة ثقة بين المواطن ووطنه.

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بمنع السفر، ولا بتخوين المهاجرين، ولا بإلقاء اللوم على الآخرين، وإنما تبدأ بإصلاح الداخل، فمحاربة الفساد ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا لحماية الإنسان،  وإقامة العدالة ليست ترفًا فكريًا، بل الضمان الحقيقي لبقاء الكفاءات. والاستثمار في التعليم والاقتصاد والحريات المسؤولة هو الاستثمار الأهم في مستقبل الأوطان.

سيظل الناس يسافرون، وستظل الهجرة جزءًا من حركة التاريخ، لكن الفرق كبير بين هجرة يختارها الإنسان لتوسيع آفاقه ثم يعود بخبراته إلى وطنه، وبين هجرة يفرضها اليأس، فيغادر بلا نية للعودة.

وقول المتنبي في هذا الموضع ابلغ القول

بِمَ التَّعَلُّلُ؟ لا أهلٌ ولا وَطَنُ

ولا نَديمٌ ولا كأسٌ ولا سَكَنُ

ولا ننسى قول الشريف الرضي في آلم الغربة قوله:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ

وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرامُ

ومن أجمل ما قاله محمود درويش في الحنين إلى الوطن: "لا شيء يعدل الوطن... مهما اتسعت المنافي."

أما قول الشاعر : أحمد شوقي:

وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عنهُ

نازعتني إليه في الخلدِ نفسي

ومن هنا ، لا يحتاج الوطن إلى أن يطلب من أبنائه البقاء، بل يحتاج إلى أن يمنحهم سببًا للبقاء، فالإنسان لا يهرب من وطن يحفظ كرامته، ولا يترك أرضًا يشعر فيها بالعدل والإنصاف، ولا يستبدل وطنه بآخر إذا كان يرى مستقبله بين أهله.

إن الأوطان لا تُبنى بالخطب والشعارات، وإنما تُبنى حين يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن الدولة تنصفه، وأن جهده لن يضيع، وأن أبناءه سيعيشون غدًا أفضل. عندها فقط تتحول الهجرة من حلم جماعي إلى خيار فردي، ويصبح الوطن، بحق، المكان الذي لا يفكر أبناؤه في مغادرته، بل يتسابقون إلى بنائه.

وفي النهاية  " فقد ينجح الإنسان في أن يبني بيتًا في أرضٍ جديدة، لكنه لا يستطيع أن يزرع في قلبه وطنًا جديدًا، فالأوطان ليست حدودًا على الخرائط، بل جذورٌ تمتد في الذاكرة، وكلما ابتعد الإنسان عنها، ظل جزءٌ منه عائدًا إليها."


مشاهدات 45
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/08/08 - 3:51 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 12:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 66 الشهر 8722 الكلي 16098426
الوقت الآن
الأحد 2026/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير