الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
محاربة الفساد

بواسطة azzaman

محاربة الفساد

مشتاق الربيعي

 

لا يمكن لأي دولة أن تنهض أو تحقق التنمية والاستقرار في ظل استشراء الفساد، فهو العدو الأخطر الذي يلتهم ثروات الشعوب، ويعطل مؤسسات الدولة، ويقوض ثقة المواطن بالقانون. ولعل الحملة الأخيرة لملاحقة الفاسدين والمفسدين في العراق تمثل خطوة مهمة طال انتظارها، وقد بعثت برسالة أمل إلى العراقيين الذين يتطلعون إلى دولة يسودها العدل وتُصان فيها الأموال العامة.

إن ما جرى من ملاحقات وإجراءات قانونية أعاد التأكيد على أن مكافحة الفساد ليست مجرد شعار، بل مسؤولية وطنية تتطلب إرادة سياسية وقضاءً مستقلاً وأجهزة رقابية فاعلة. كما أنها تمثل بداية لاستعادة هيبة الدولة، وإثبات أن القانون قادر على الوصول إلى كل من يعبث بمقدرات الوطن مهما كانت مكانته.

لكن في المقابل، يثير القلق أن يكون بعض من أوكل إليهم الشعب مهمة التشريع والرقابة والدفاع عن مصالحه قد تورطوا في ملفات فساد. فممثلو الشعب يفترض أن يكونوا القدوة في احترام القانون، وأن يعملوا على حماية المال العام، لا أن يكونوا جزءًا من المشكلة. ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تفرض محاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان منصبه أو انتماؤه السياسي.

إننا نثمن الدور الذي تقوم به الحكومة العراقية، ونشيد بقضائنا العادل في ملاحقة عصابات ومافيات الفساد، ونؤكد أن نجاح هذه الحملة مرهون باستمرارها دون تردد أو انتقائية، لأن العدالة لا تكتمل إذا استثنت أحدًا أو خضعت لضغوط النفوذ والمصالح.

فالقاعدة القانونية عامة ومجردة، وتطبق على الجميع دون استثناء، ولا يجوز أن تتحول المناصب أو الزعامات السياسية إلى مظلة للإفلات من العقاب. فكل من تثبت إدانته يجب أن يخضع للقانون، سواء كان موظفًا بسيطًا أو مسؤولًا رفيعًا أو زعيمًا سياسيًا، لأن قيمة الدولة تقاس بقدرتها على تحقيق المساواة أمام القانون.

كما أن مكافحة الفساد لا تقتصر على إلقاء القبض على المتورطين، بل تتطلب استرداد الأموال المنهوبة، وإغلاق منافذ الهدر، وتعزيز الشفافية، وحماية المبلغين عن الفساد، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية والإعلام الحر، باعتبارها أدوات أساسية في كشف الحقائق وترسيخ ثقافة المساءلة.

لقد دفع العراق ثمن الفساد سنوات طويلة، فتأخرت مشاريع الإعمار، وتراجعت الخدمات، وازدادت معاناة المواطنين رغم ما يمتلكه البلد من ثروات وإمكانات كبيرة. لذلك فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة أو مؤسسة بعينها، بل هي معركة وطن بأكمله، تتطلب تضافر جهود الجميع من أجل حماية المال العام وبناء دولة المؤسسات.

إن العراقيين لا يطالبون إلا بتطبيق القانون بعدالة ونزاهة، بعيدًا عن الحسابات السياسية أو المصالح الضيقة. وعندما يرى المواطن أن الجميع متساوون أمام القضاء، وأن لا حصانة لفاسد مهما علا منصبه، ستعود الثقة بالدولة، وسيكون ذلك إيذانًا بمرحلة جديدة عنوانها النزاهة، وسيادة القانون، وترسيخ دولة المواطنة التي يحلم بها كل العراقيين

 


مشاهدات 73
الكاتب مشتاق الربيعي
أضيف 2026/08/08 - 2:17 AM
آخر تحديث 2026/08/08 - 7:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 306 الشهر 7898 الكلي 16097602
الوقت الآن
السبت 2026/8/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير