الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا سياسة خارجية ناجحة من دون شراكة داخلية

بواسطة azzaman

لا سياسة خارجية ناجحة من دون شراكة داخلية

شيلان فتحي شريف

 

الحكومة العراقية تسارع الخطى نحو إعادة تموضع العراق إقليميا ودوليا، من خلال جولات من الزيارات يقوم بها رئيس الوزراء علي الزيدي  استهلّها بزيارة الولايات المتحدة  من ثم إيران  وتركيا  إضافة إلى خططه لزيارة عدد من دول المنطقة، نتج عنها ومن المزمع ان ينتج عنها تفاهمات واتفاقات في مجالات الطاقة والاستثمار والنقل والتعاون الأمني، 

لكن هنا يبرز سؤال جوهري لم يحظ حتى الآن بالاهتمام  الكافي: أين يقع إقليم كردستان ضمن  هذه الرؤية وخطة التموضع هذه؟

لقد بدت الحكومة العراقية حريصة على اظهار العراق كدولة مستقرة وقادرة على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع القوى الإقليمية والدولية، وهو هدف مشروع يحتاجه العراق في ظل التحديات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. غير أن نجاح أي سياسة خارجية لا يقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو الزيارات الرسمية، بل بمدى استنادها إلى جبهة داخلية متماسكة، قادرة على منح تلك الاتفاقات قابلية التنفيذ والاستقرار والاستمرارية.

جزء اساسي

ومن هنا، فإن الحديث عن رؤية اقتصادية جديدة للعراق لا يكتمل من دون توضيح موقع إقليم كردستان فيها. فالإقليم ليس بقعة جغرافية  أو إداريا هامشية بل يمثل جزءا أساسيا من المعادلة الاقتصادية والسياسية للدولة العراقية. فهو يمتلك ثروات نفطية وغازية كبيرة، ويرتبط بحدود مع تركيا وإيران، ويشكل منفذا مهما للتجارة الإقليمية، كما أن أي مشروع وطني في مجالات الطاقة أو النقل أو الاستثمار ستكون له انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على الإقليم.

ورغم هذا الواقع، لم تتضح حتى الآن ملامح خطة استراتيجية حكومية متكاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل بالتوازي مع الحراك الخارجي. فما زالت الملفات ذاتها حاضرة؛ عدم سن قانون النفط والغاز، مشكلة رواتب موظفي الإقليم، الإيرادات، المنافذ الحدودية ، الموازنة الاتحادية، والمناطق المتنازع عليها. وهي قضايا استنزفت الحكومات العراقية المتعاقبة والاقليم على حد سواء ولم تتمكن أي منها من تحويل الاتفاقات المؤقتة والحلول الترقيعية إلى تسويات مستدامة.

ولعل أبرز مثال على ذلك أزمة تصدير نفط إقليم كردستان، التي لم تبقَ مجرد خلاف داخلي عراقي، بل تحولت إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، انعكست على العلاقات مع تركيا، وأثرت في التزامات العراق التعاقدية مع الشركات الأجنبية، وألحقت خسائر مالية كبيرة بالطرفين. كما أن الخلافات المتكررة بشأن الموازنة ورواتب موظفي الإقليم لم تقتصر آثارها على الداخل العراقي، بل أصبحت عاملا يثير تساؤلات المستثمرين والمؤسسات المالية حول استقرار البيئة الاقتصادية في البلاد.

ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا  او كم وقع الزيدي من اتفاقات   مع الخارج؟ بل: كيف ستنعكس هذه الاتفاقات على الداخل العراقي؟ وهل سيكون إقليم كردستان شريكا في تنفيذ الرؤية الاقتصادية الجديدة، أم سيبقى ملفا منفصلا يخضع لمفاوضات موسمية تتجدد مع كل أزمة سياسية أو مالية؟

إن تجارب الدول الاتحادية والمتعددة القوميات تقدم دروسا مهمة في هذا السياق. ففي كندا، ورغم الخصوصية اللغوية والثقافية لمقاطعة كيبيك، لم تلجأ الحكومات الاتحادية إلى إدارة العلاقة بمنطق الأزمات، بل اعتمدت الحوار والمؤسسات والمرونة الدستورية، مع الحفاظ على وحدة الدولة واحترام صلاحيات الأقاليم. ولم يكن الهدف إنهاء الخلافات نهائيا، وإنما منعها من التحول إلى عائق أمام التنمية والاستقرار.

وفي ألمانيا، بعد إعادة التوحيد، واجهت الحكومة فجوات اقتصادية وتنموية واسعة بين الشرق والغرب. ولم تعتبرها مشكلة تخص الولايات الشرقية وحدها، بل مشروعا وطنيا يستوجب استثمارات وإصلاحات طويلة الأمد، انطلاقا من قناعة بأن قوة الدولة في الخارج تبدأ من تقليص التفاوت داخلها.

أما سويسرا، فقد نجحت في تحويل تنوعها اللغوي والديني والثقافي إلى مصدر قوة، عبر نظام سياسي يقوم على التوافق، واللامركزية، وتقاسم الصلاحيات بوضوح، بما جعل الاختلاف عنصرا من عناصر الاستقرار، لا سببا للصراع.

ولا يعني استحضار هذه التجارب وسردها هنا أننا نريد من العراق  استنساخها بحذافيرها، فلكل دولة ظروفها الدستورية والسياسية والتاريخية. لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو أن الدولة القوية لا تبني حضورها الخارجي على حساب تماسكها الداخلي، بل تجعل من إدارة التنوع أساسا لسياستها الوطنية.

تعريف العلاقة

العراق اليوم يقف أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين بغداد وأربيل، بعيدا عن منطق إدارة الأزمات الذي طبع العقدين الماضيين. وإذا كانت الحكومة تسعى إلى بناء شراكات اقتصادية كبرى، وجذب الاستثمارات، وربط العراق بالممرات التجارية الإقليمية، فإن نجاح هذه المشاريع يتطلب بيئة داخلية مستقرة، وتشريعات واضحة، وعلاقة مؤسسية مستقرة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم.

حتى الآن، لا تزال هذه الرؤية غائبة عن الخطاب الحكومي. ولم تُطرح خارطة طريق تحدد كيفية معالجة الملفات العالقة، أو دمج الإقليم ضمن المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية التي يجري التفاوض بشأنها مع الشركاء الدوليين. وهذا الغياب لا يقل أهمية عن الاتفاقات نفسها، لأن المستثمر والدولة الشريكة يبحثان عن استقرار المؤسسات بقدر ما يبحثان عن الفرص الاقتصادية.

إن حكومة الزيدي تمتلك اليوم فرصة لصياغة مقاربة جديدة تتجاوز الإرث الثقيل للخلافات السابقة. فالمطلوب ليس تسويات وحلول مؤقتة تفرضها الضغوط السياسية، بل رؤية وطنية تجعل من العلاقة بين بغداد وأربيل جزءا من مشروع بناء الدولة، لا ملفا يُفتح عند كل أزمة ويُغلق عند كل اتفاق مؤقت.

ويبقى السؤال المطروح: إذا كان الزيدي يرسم خريطة جديدة لعلاقات العراق مع العالم، فأين يضع إقليم كردستان على هذه الخريطة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تُكتب في بيانات الزيارات الرسمية، بل ستظهر في السياسات التي تعتمدها الحكومة لإعادة بناء الثقة بين بغداد وأربيل، وتحويل التنوع العراقي من مصدر خلاف إلى ركيزة للاستقرار والتنمية. فالتاريخ السياسي للدول يثبت أن النفوذ الخارجي يبدأ دائما من الداخل القوي ، وأن الدولة التي تنجح في إدارة تنوعها هي الأقدر على بناء شراكات مستدامة مستقرة مع العالم الخارجي

 واخيراً اقول ان الزيارات الخارجية والاتفاقات الدولية تفتح بابا لسؤال أكبر: هل تمتلك الحكومة رؤية لدمج إقليم كردستان في مشروعها السياسي والاقتصادي؟  ام  ستبقي الاقليم في نظرها منطقة تثير القلق  وعدم التيقن من  تنفيذ الاتفاقات ؟

 

اكاديمية وناشطة سياسية


مشاهدات 31
الكاتب شيلان فتحي شريف
أضيف 2026/08/01 - 12:10 AM
آخر تحديث 2026/08/01 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 62 الكلي 15999767
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير