الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أحمد راضي .. هدف في المرمى وخلود ذاكرة الوطن

بواسطة azzaman

شخصيات من بلادي

أحمد راضي .. هدف في المرمى وخلود ذاكرة الوطن

 

ديالى-صالح رضا

هناك رجال لا تصنعهم الشهرة وحدها، بل تصنعهم المواقف، والموهبة، والإخلاص، وحب الناس. وحين يُذكر تاريخ الرياضة العراقية، يقف اسم الكابتن أحمد راضي شامخًا بين كبار الرياضيين الذين منحوا وطنهم أجمل لحظات الفرح، فصار واحدًا من الرموز التي تجاوز حضورها حدود الملاعب لتستقر في وجدان العراقيين.

لم يكن أحمد راضي مجرد هداف بارع، بل كان لاعبًا يمتلك ثقافة كروية عالية، وذكاءً ميدانيًا نادرًا، وقدرة استثنائية على قراءة مجريات المباراة. وكان حضوره في أرض الملعب يمنح زملاءه الثقة، ويبعث في الجماهير الأمل، حتى أصبح اسمه مرادفًا للإبداع الكروي العراقي في سنواته الذهبية.ولد أحمد راضي في بغداد، حيث بدأت حكايته مع كرة القدم في الأزقة والساحات الشعبية، قبل أن تكتشف موهبته مبكرًا، لينتقل إلى الملاعب النظامية، ويبدأ رحلة طويلة من الاجتهاد والعطاء. ومنذ خطواته الأولى أثبت أنه لاعب يملك مقومات النجومية، فلفت الأنظار بمهارته وحسه التهديفي، حتى أصبح أحد أبرز نجوم نادي الزوراء، الذي شهد أجمل سنوات تألقه، وهناك كتب أولى صفحات مجده الرياضي.

تنشئة الساحر

ومع تألقه في الدوري العراقي، أصبح الطريق إلى المنتخب الوطني مفتوحًا أمامه، فارتدى قميص العراق بكل اعتزاز، وقدم مستويات جعلته من أهم المهاجمين في تاريخ الكرة العراقية. ولم يكن يمثل نفسه داخل الملعب، بل كان يحمل آمال شعب بأكمله، وكان يشعر بأن الدفاع عن ألوان العراق شرف لا يوازيه شرف.وجاءت المشاركة في نهائيات كأس العالم عام 1986 لتكون المحطة الأهم في مسيرته. ففي تلك البطولة العالمية سجل أحمد راضي هدف العراق الوحيد في نهائيات كأس العالم، وهو الهدف الذي ما زال يعيش في ذاكرة العراقيين حتى اليوم. لقد كان هدفًا تاريخيًا تجاوز حدود النتيجة، لأنه أعلن حضور الكرة العراقية بين كبار منتخبات العالم، ومنح العراقيين لحظة فخر ستبقى خالدة عبر الأجيال.

غير أن عظمة أحمد راضي لم تكن في أهدافه وحدها، بل في أخلاقه الرفيعة وتواضعه الكبير. فقد عرفه الجميع إنسانًا هادئًا، بشوشًا، قريبًا من الناس، يحترم زملاءه وجمهوره، ولم تغيره الشهرة ولا النجومية. ولذلك بقي محبوبًا بعد اعتزاله كما كان محبوبًا في أيام تألقه، لأن المحبة الصادقة لا تصنعها الإنجازات وحدها، بل تصنعها الأخلاق أيضًا.لقد كان أحمد راضي نموذجًا للرياضي العراقي الذي جمع بين الموهبة والانضباط والخلق الكريم، فاستحق أن يكون قدوة للأجيال الجديدة، وأن يبقى اسمه حاضرًا في كل حديث عن تاريخ الكرة العراقية.

وعندما رحل عن الدنيا، خيم الحزن على العراقيين جميعًا، لأنهم شعروا أنهم فقدوا واحدًا من أنبل رموزهم الرياضية. لكن الإنسان قد يغيب بجسده، بينما يبقى حاضرًا بما قدمه من عطاء، وبما تركه من أثر في ذاكرة وطنه.

مبادرة كريمة

ومن أسمى صور الوفاء التي حظي بها الكابتن أحمد راضي، المبادرة الكريمة التي أطلقها الأستاذ سعد البزاز لإقامة تمثال يخلّد مسيرة هذا النجم الكبير، إيمانًا منه بأن الشخصيات التي صنعت مجد العراق تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال. وقد نُصب التمثال عند مدخل ملعب الشعب الدولي في بغداد، ليقف شامخًا يستقبل الجماهير، ويذكرهم بلاعب منح وطنه سنوات من الإبداع والعطاء، وبذلك الهدف التاريخي الذي أدخل اسم العراق إلى سجل نهائيات كأس العالم. ولم يعد التمثال مجرد عمل فني، بل أصبح رمزًا للوفاء والعرفان، ورسالة حضارية تؤكد أن الأمم الحية لا تنسى أبناءها المخلصين، بل تخلدهم في ذاكرتها ووجدانها.ولأن الفن هو الآخر يحفظ ذاكرة الشعوب، فقد وجدت أن أحمد راضي يستحق أن يكون ضمن مشروعي الفني الكبير «شخصيات من بلادي». لم أرسمه لأنه لاعب كرة قدم فحسب، بل لأنه شخصية وطنية تركت أثرًا لا يمحوه الزمن. وعندما وقفت أمام ملامحه، كنت أحاول أن أستحضر هدوءه، وطيبته، ونبل حضوره، قبل أن أرسم تفاصيل وجهه. فالبورتريه الحقيقي لا ينقل الملامح وحدها، بل يحاول أن يكشف روح الإنسان، وأن يحفظها للأجيال القادمة.سيبقى أحمد راضي اسمًا خالدًا في تاريخ العراق الرياضي، وستبقى أهدافه وإنجازاته وابتسامته الصادقة حاضرة في ذاكرة العراقيين، كما سيبقى تمثاله عند مدخل ملعب الشعب شاهدًا على مسيرة رجل أحب وطنه بإخلاص، فأحبه وطنه وخلّد اسمه بكل وفاء. أما في عالم الفن، فستظل صورته واحدة من الوجوه المضيئة التي أعتز برسمها في مشروع «شخصيات من بلادي»، إيمانًا مني بأن الأوطان التي تحفظ وجوه مبدعيها، تحفظ تاريخها وهويتها، وتمنح أبناءها أسباب الفخر والانتماء.

رحم الله الكابتن أحمد راضي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه خالدة في قلوب العراقيين، فهو لم يكن لاعبًا كبيرًا فحسب، بل كان إنسانًا كبيرًا، ورمزًا وطنيًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة العراق ما بقيت الأجيال تروي حكايات المجد والوفاء.

 

 


مشاهدات 32
أضيف 2026/07/29 - 3:03 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 32664 الكلي 15997790
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير