الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المحاكمات الافتراضية: كيف تحولت منصات التواصل إلى قضاء بديل خارج سلطة المحاكم؟

بواسطة azzaman

المحاكمات الافتراضية: كيف تحولت منصات التواصل إلى قضاء بديل خارج سلطة المحاكم؟

أحمد فاتح محمد

 

يقترن وجود "الدولة القانونية" تاريخياً وفلسفياً باحتكار السلطة العامة لأدوات إنفاذ القانون وتحقيق العدالة الجنائية والمدنية. إن هذا الاحتكار يمثل الركن الركين في العقد الاجتماعي الذي صاغه الفلاسفة الأوائل، حيث يتنازل الأفراد بموجبه عن حقهم البدائي في الثأر وتطبيق العدالة الفردية لصالح جهاز قضائي مؤسسي، يتسم بالحياد والموضوعية والامتثال للمسطرة القانونية الجافة. غير أن الثورة الرقمية المعاصرة، وتحديداً شيوع منصات التواصل الاجتماعي، قد أفرزت ظاهرة سوسيولوجية وقانونية بالغة الخطورة، تكمن في نشوء ما يمكن تسميته بـ "المحاكمات الافتراضية الجماهيرية". لقد تحولت هذه الفضاءات الرقمية، في ظل ضعف الوعي المؤسسي، إلى سلطة قضائية موازية، تصدر صكوك الاتهام والغفران، وتنفذ أحكام الإدانة المعنوية والاجتماعية والتشهير، خارج أي إطار دستورى أو قانوني معترف به، مما يهدد بتقويض مفهوم الدولة ذاته. من المنظور الدستورى الرصين، يقوم النظام السياسي في العراق على مبدأ دستورى أصيل، وهو "الفصل بين السلطات" المنصوص عليه في المادة (47) من دستور جمهورية العراق لعام 2005. كما حصر الدستور الوظيفة القضائية في سلطة مستقلة تماماً، حيث نصت المادة (87) على أن: "السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون". إن نشوء المحاكم الافتراضية يمثل اعتداءً صارخاً على هذا الاختصاص الدستوري الحصرى. فالمنصات الرقمية لا تملك الصفة ولا الاختصاص ولا الحيادية لإدارة الخصومات الجنائية أو المدنية. وحين تنصب صفحات الويب والمجموعات الرقمية نفسها محاكم شعبية تحاكم الأفراد وتشهر بهم، فإننا نكون أمام تراجع خطر عن مفهوم الدولة القانونية نحو حالة الفوضى العارمة. إن مأساة هذه المحاكمات الافتراضية تتبدى بوضوح عند مقارنتها بالضمانات الدستورية للمتهم. لقد كفل الدستور العراقي في المادة (19/خامساً) مبدأً يمثل جوهر العدالة الإنسانية، وهو أن: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة". هذا المبدأ، الذي استقرت عليه الشرائع الدولية، يتم سحقه وتدميره تماماً على منصات التواصل الاجتماعي. في المحكمة الافتراضية، القاعدة السائدة هي "المتهم مدان حتى لو ثبتت براءته". لا توجد في الفضاء الأزرق فرصة لإثبات البراءة، بل يساق المتهم إلى مقصلة الرأي العام الرقمي بناءً على مقطع فيديو مجتزأ، أو منشور كيدى، أو تسريب غير موثق. فضلاً عن ذلك، فإن هذه المحاكمات الشعبية الرقمية تصادر تماماً "حق الدفاع"، وهو الحق المقدس الذي نصت عليه المادة (19/رابعاً) من الدستور العراقي بعبارة حاسمة:"حق الدفاع مقدسٌ ومكفولٌ في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة". في أروقة المحاكم الرسمية، يخضع الدليل المادى لرقابة صارمة من القاضي، ويناقشه الادعاء العام ومحامي الدفاع وفقاً لقانون الإثبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية. أما في منصات التواصل، فإن "الدليل" هو مدي قدرة المنشور على حصد الإعجابات والمشاركات، في غياب تام لأى معيار علمي أو قانوني لفحص الأدلة، مما يحول عملية التقاضي الافتراضي إلى ساحة للغوغائية والانتقام الشخصي وتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية. أما من ناحية التشريع العقابي، فإن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، قد وضع نصوصاً واضحة للحد من سلوكيات التشهير والقذف والسب التي تمثل الوقود الفعلي لهذه المحاكمات الافتراضية. إذ تنص المادة (433/1) على أن: "القذف هو إسناد واقعة معينة إلى غيره بإحدي طرق العلانية من شأنها لو صحت أن توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه". وتشدد الفقرة الثانية من ذات المادة العقوبة إذا وقع القذف بطريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو بغيرها من طرق النشر، وهو ما ينطبق تماماً اليوم على النشر الإلكتروني. كذلك تعاقب المادة (434) على السب والتشهير. ورغم رصانة هذه المواد، إلا أن التطبيق الفعلي يواجه فجوة تشريعية كبيرة نتيجة لغياب قانون خاص وعصرى ينظم "جرائم المعلوماتية" بشكل يوازن بدقة بين كفالة حرية التعبير وحظر انتهاك الحرمات الشخصية واستباق الأحكام القضائية. إن استبدال سلطة القانون بسلطة الغوغاء يعبث بكيان السلم الاجتماعي، لاسيما حين تصبح حياة المواطن الخاصة مستباحة أمام التكهنات الرقمية الفوضوية التي تفتقر لأبسط معايير الإنسانية، وتنسف الجهود التاريخية التي بذلتها البشرية في سبيل ترسيخ دعائم العدالة وبناء دولة المؤسسات المعاصرة وحماية كرامة الأفراد.

إن خطورة المحاكمات الافتراضية لا تقتصر على هدم سمعة الأفراد فحسب، بل تمتد لتصيب المنظومة القضائية الرسمية في مقتل، إذ تسعى هذه المنصات أحياناً إلى ممارسة ضغوط هائلة على القضاة من خلال توجيه الرأى العام وإثارته عاطفياً، مما يشكل تهديداً لحياد القضاء واستقلاليته. إن حماية المجتمع من هذا القضاء البديل والمنفلت تتطلب حزماً تشريعياً وقضائياً يعيد الاعتبار لهيبة الدولة ومؤسساتها، ويؤكد للمواطن أن العدالة لا تُصنع بنقرات الأصابع على الشاشات، بل في قاعات المحاكم وتحت مظلة القانون والدستور. إن البديل عن ذلك هو ضياع السلم الأهلي والعودة إلى شريعة الغاب، حيث تضيع الحقيقة تحت ركام الإعجابات والمشاركات الزائفة.


مشاهدات 29
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/07/29 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 32698 الكلي 15997824
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير