دولة تفقد إنسانيتها
صلاح الدين الجنابي
فكرة الدولة تتمحور حول الإنسان ومتطلباته وتعاملاته وعلاقاته الداخلية والخارجية، وتؤسس لنظامٍ خادمٍ للإنسان، يسعى إلى سد احتياجاته، وحماية ممتلكاته، وتنظيم تعاملاته وعلاقاته من خلال دستور وقانون يحترمان الإنسان ويحافظان على حقوقه، دون الاعتداء على حقوق الآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو جماعات أو منظمات أو دولًا.تفقد الدولة إنسانيتها عندما تُوظَّف لخدمة فرد أو مجموعة مهيمنة أو فئة مستأثرة، على حساب الآخرين. وعندها تصبح فكرة الدولة غير مقنعة، بل مخيفة، لمن يلتزمون بمضمونها قولًا وفعلًا، حين يشهدون سلوكًا يناقضها، ويرون المنافع تُوزَّع على مجموعات متنفذة، بينما يُحرم الآخرون منها.
هنا تصبح الفكرة كذبة، ويصبح الدستور حاميًا لها، ويغدو القانون سلاحًا للدفاع عنها.فالدولة لا تستقيم بوجود دستور أو قانون فحسب، وإنما بمدى التزامها بالغاية التي قامت من أجلها، وبقدرتها على حماية الإنسان وحقوقه من انحراف سلطاتها أو هيمنة فئة من فئاتها.الدولة الإنسانية تمتلك فكرة واضحة، ودستورًا يترجمها، وقانونًا يدافع عن مبادئها، وسلطات تجعل الإنسان غايتها لا وسيلتها؛ فالإنسان هو المنطلق، والفكرة تحدد الغاية، والدستور يترجمها، والقانون يحميها، والدولة تخدمها.الفكرة مصممة لترسيخ قيمة الإنسان، وانحرافها لترسيخ قيمة السلطة يحول سلطات الدولة من مؤسسات لحماية المواطن إلى دكاكين لحماية السلطة.الدولة التي تحمي السلطة وتهمل حقوق المواطن تفقد إنسانيتها.