الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 قافلة العراق... إلى أين تسير؟

بواسطة azzaman

 قافلة العراق... إلى أين تسير؟

زهير اسماعيل شهد

 

ليست هذه الصفحات كتابًا في السياسة، ولا دراسةً في الاقتصاد، ولا نقدًا لحكومة أو دفاعًا عن أخرى إنها محاولة للإجابة عن سؤالٍ بسيط في ألفاظه، و معناه:

إلى أين تسير قافلة العراق؟

لقد اعتدنا أن نختلف حول الأشخاص، بينما بقي السؤال عن المشروع غائبًا. وانشغلنا بتبدل الحكومات، ونسينا أن الدول لا تنهض بالحكومات وحدها، وإنما تنهض عندما تعرف إلى أين تريد أن تصل.

فالقافلة ليست وسيلة سفر فحسب، بل هي صورة للحياة نفسها؛ فيها قائد، وطريق، وخريطة، وزاد، ورفاق، وعواصف، ومحطات، وغاية.

وما العراق إلا قافلة عظيمة، حملت عبر تاريخها حضاراتٍ صنعت المعرفة، ثم واجهت حروبًا وأزماتٍ وتحولاتٍ كبرى، حتى أصبح أبناؤها يتساءلون اليوم: إلى أين نمضي؟

ولن أبحث عن المنتصر في الجدل السياسي، لأن انتصار فريق لا يعني بالضرورة انتصار الوطن.

ولن أدعو إلى استنساخ تجربة دولة أخرى، لأن لكل أمة ظروفها وتاريخها وخصوصيتها.

إنما سأحاول أن أتعرف،  إلى القوانين التي صنعت نهضة الأمم، ثم أتساءل: كيف يمكن للعراق أن يصنع طريقه الخاص؟

إن الأمم العظيمة لا تعيش على أمجاد تاريخها، بل تصنع تاريخًا جديدًا.

ولا يكفي أن نعرف أين كنا، بل يجب أن نعرف أين نحن، والأهم من ذلك كله: أين ينبغي أن نكون.  إلى أين تسير قافلة العراق؟

انا وانت وجميعنا نتسائل الى اين تسير قافقلتنا , قافلة العراق  ؟ من ا ين بدئنا وهل كان خط الشروع  خطا للبداية , هل نحن رسمناه ام فرض علينا 

 قافلة العراق... إلى أين تسيرولهذا الموضوع وضعنا االتصور التالي ليساعدني ويكون دليلا لمن يشاركني في قراءة الموضوع :

هل بدأ العراق من نقطة البداية الصحيحة؟

هل كان خط الشروع خطأ؟

من يقود القافلة؟  الدولة أم الأحزاب أم الخارج أم المصالح؟

هل نعرف وجهتنا؟  الفرق بين السير والحركة.

لماذا تتعثر القافلة؟  أخطاء الإدارة قبل أخطاء الاقتصاد ؟.

 القافلة والخرائط الضائعة ,لماذا تتغير الخطط مع كل حكومة؟

 بين النفط والعمل , هل أصبح النفط قائد القافل

 الدولة التي نريدها  .   دولة المواطن أم دولة السلطة؟

الاقتصاد... الحصان الذي تُرك خلف العربة , لماذا تأخر الاقتصاد عن السياسة؟

القطاع الخاص... الغائب الأكبر . لماذا بقي متفرجًا؟

التعليم... صانع الطريق  , هل نبني الإنسان أم نستهلكه؟

 الفساد... الطريق الوعر ,كيف غيّر اتجاه القافلة؟

 هل نحن أمة تخطط؟  الفرق بين ردود الأفعال وصناعة المستقبل.

 الصين واليابان... كيف رسمتا الطريق؟  ماذا نتعلم منهما؟

 هل يستطيع العراق أن يبدأ من جديد؟  متى تكون العودة إلى البداية فضيلة؟

 خارطة الطريق الجديدة   من يقود النهضة؟   الحكومة أم المجتمع أم القطاع الخاص؟

 

 إلى أين يجب أن تسير القافلة؟  .

 

 

القسم الاول

من أين بدأت قافلة العراق؟

كلما تعثر العراق، عاد السؤال ليُطرح من جديد: إلى أين تسير هذه القافلة؟

لكن قبل أن نسأل عن الاتجاه، ينبغي أن نسأل سؤالًا أكثر أهمية: من أين بدأت القافلة أصلًا؟

فليس كل من يسير يعرف الطريق، وليس كل طريق يقود إلى الغاية.

لقد اعتاد العراقيون أن يناقشوا نتائج الأزمات، فعلينا ان نناقش نقطة البداية التي انطلقت منها الدولة بعد كل مرحلة تاريخية. فربما لم تكن المشكلة في سرعة السير، بل في المكان الذي بدأنا منه، وفي الخريطة التي اعتمدناها، وفي البوصلة التي حملناها.

بعد كل تحول سياسي كان العراقيون يأملون بداية جديدة، لكن كل بداية كانت تُبنى على مشكلات لم تُحل، وعلى خلافات لم تُحسم، وعلى مؤسسات لم تُستكمل. وكأن القافلة كانت تتحرك وهي ما تزال تبني عجلاتها.

إن الأمم الناجحة لا تبدأ بالسؤال: ماذا سنفعل غدًا؟ بل تبدأ بالسؤال: أين نقف اليوم؟ وما الطريق الصحيح للوصول إلى الغاية؟

فإذا كانت نقطة الانطلاق غير واضحة، فإن كثرة الحركة لا تعني التقدم، بل قد تعني الابتعاد أكثر عن الهدف.

 

ولذلك فإن أول واجب على العراقيين، ليس البحث عن سرعة أكبر، بل البحث عن ( البداية الصحيحة ).

فالقافلة التي تبدأ من الطريق الخطأ قد تقطع آلاف الكيلومترات، لكنها تزداد بعدًا عن مقصدها مع كل خطوة.

ويبقى السؤال

هل كان خط الشروع الذي بدأ منه العراق بعد التحولات الكبرى خطًا صحيحًا، أم أننا انطلقنا من نقطة كانت تحمل في داخلها بذور التعثر منذ اليوم الأول .

ليست كل قافلة ضلّت الطريق، بل إن كثيرًا من القوافل لم تعرف أصلًا إلى أين ينبغي أن تسير.

حين ننظر إلى العراق اليوم، فإن السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع هو: إلى أين نمضي؟ لكن هذا السؤال، على أهميته، ليس هو السؤال الأول. فالأمم التي تبحث عن مستقبلها تبدأ دائمًا بسؤال أسبق:  - من أين بدأنا؟ -

إن المسافر الذي يكتشف أنه يسير في الاتجاه الخطأ لا يفيده أن يسرع، بل عليه أن يعود إلى نقطة البداية ليتأكد من صحة الطريق. وكذلك الدول.

لقد مر العراق خلال قرن كامل بمحطات سياسية كبرى؛ تأسيس دولة، وانقلابات، وحروب، وحصار، واحتلال، وتحولات دستورية، وانتخابات، وتغيّر حكومات. ومع كل مرحلة كان العراقيون يظنون أنهم يبدأون من جديد، لكن الحقيقة أن كل بداية كانت تحمل معها أعباء المرحلة السابقة، حتى أصبح الماضي شريكًا دائمًا في صناعة الحاضر.

ولذلك فإن مشكلة العراق ليست أنه تحرك قليلًا أو كثيرًا، بل ربما كانت المشكلة أن كل مرحلة انطلقت من دون مراجعة حقيقية لما سبقها. فبدل أن يكون الماضي مدرسة، أصبح عبئًا، وبدل أن يكون التاريخ مصدرًا للحكمة، تحول إلى ميدان للصراع.

إن الأمم التي نجحت، لم تكن معصومة من الأخطاء، لكنها امتلكت شجاعة الاعتراف بها. أما الأمم التي تكرر أخطاءها، فإنها لا تعيش التاريخ، بل تكرر إنتاجه.

والعراق اليوم يقف أمام لحظة مشابهة. فليس المهم أن تتغير الحكومات أو تتبدل الوجوه، بل المهم أن تتغير نقطة الانطلاق الفكرية التي تُبنى عليها الدولة. فلا يمكن لدولة أن تبلغ غايتها إذا كانت كل حكومة ترسم طريقًا جديدًا، وكل مسؤول يبدأ من الصفر، وكل مشروع ينتهي بانتهاء صاحبه.

إن الدولة ليست سباقًا انتخابيًا، بل مشروع أجيال. ولهذا فإن أول سؤال ينبغي أن يطرحه العراقيون على أنفسهم ليس: من يحكم؟ بل:  (ما المشروع الذي يجب أن يحكم؟ )

فإذا اتفق الناس على المشروع، أصبح اختلاف الأشخاص أمرًا طبيعيًا، أما إذا غاب المشروع، فإن الأشخاص يتحولون إلى غايات، وتتحول الدولة إلى ساحة تنافس لا إلى مؤسسة بناء.

وهنا نصل إلى السؤال في القسم التالي الذي سيقودنا إلى :

هل كان خط الشروع خطأ؟ ، وسنناقش كيف يمكن أن تؤدي الأخطاء التأسيسية في بناء الدولة إلى إنتاج أزمات تتكرر جيلاً بعد جيل، حتى وإن تبدلت الحكومات والأنظمة.

 

 

 القسم الثاني :

 هل كان خطُّ الشروع خطأ؟

 

قد يكون الطريق طويلًا، ولكن الخطأ الحقيقي ليس في طول الطريق، بل في الاتجاه الذي اختير منذ الخطوة الأولى.

حين تتعثر قافلة في الصحراء، لا يبادر الحكماء إلى لوم الإبل أو السائرين، بل يتجه نظرهم أولًا إلى الدليل الذي اختار الطريق. فربما كانت المشكلة كلها كامنة في الخطوة الأولى.

وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على العراق: هل كان خط الشروع الذي انطلقت منه الدولة العراقية الحديثة صحيحًا؟

ليس المقصود بخط الشروع تاريخ إعلان الدولة أو تبدل نظام سياسي أو كتابة دستور جديد، بل المقصود هو (الفكرة التي قامت عليها الدولة ). فلكل دولة فكرة كبرى تنطلق منها، وهذه الفكرة هي التي تحدد طبيعة مؤسساتها، وشكل اقتصادها، وعلاقة المواطن بها، وموقعها في العالم.

إن الدولة التي تنطلق من فكرة بناء الإنسان تختلف عن الدولة التي تنطلق من فكرة تقاسم السلطة، والدولة التي تجعل الاقتصاد أساسًا للاستقرار تختلف عن الدولة التي تجعل السياسة غاية في ذاتها.

ومن هنا، فإن السؤال ليس: من كان على حق ومن كان على خطأ؟ بل: هل كانت الأولويات مرتبة ترتيبًا صحيحًا؟

لقد انشغل العراق، في مراحل كثيرة من تاريخه، بصراعات الهوية، وتقاسم النفوذ، وإدارة الأزمات اليومية، بينما بقيت الأسئلة الكبرى مؤجلة: كيف نبني اقتصادًا منتجًا؟ كيف نصنع إدارة كفوءة؟ كيف نؤسس تعليمًا يصنع المستقبل؟ وكيف نحول ثروة العراق إلى قوة دائمة لا إلى مورد يستهلكه الزمن؟

كلما تأخر الجواب عن هذه الأسئلة، ازدادت القافلة ابتعادًا عن غايتها، حتى أصبح السير ذاته إنجازًا، مع أن الإنجاز الحقيقي هو الوصول.

وليس من الإنصاف أن نحمل جيلًا واحدًا مسؤولية هذا المسار؛ فكل مرحلة ورثت مشكلات من سابقتها وأضافت إليها مشكلات جديدة. وهكذا تراكمت الأخطاء حتى أصبح إصلاح أي قطاع مرتبطًا بإصلاح قطاعات أخرى، وكأن الدولة كلها سلسلة من العقد المتشابكة، لا تكفي لفكها معالجة موضع واحد.

لكن التاريخ يعلمنا أن الخطأ في البداية لا يعني استحالة الوصول. فاليابان خرجت من حرب مدمرة، وألمانيا أعادت بناء نفسها من الأنقاض، والصين أعادت النظر في مسارها عندما اكتشفت أن الطريق الذي تسير فيه لا يقود إلى النهضة. ولم يكن سر نجاح هذه الدول أنها لم تخطئ، بل أنها امتلكت شجاعة مراجعة البدايات، ولم تعتبرها مقدسة أو فوق النقد.

أما أخطر ما يمكن أن تقع فيه الأمم فهو أن تتحول البدايات إلى مسلمات، وأن يصبح نقدها محرمًا، لأن الأمة التي لا تراجع بدايتها ستظل تدور في الحلقة نفسها، مهما تغيرت الوجوه والشعارات.

إن العراق اليوم لا يحتاج إلى هدم تاريخه، ولا إلى التنكر له، بل يحتاج إلى قراءته بعقل الباحث لا بعاطفة الخصم، وبروح البنّاء لا بروح المنتقم. فالدول لا تبنى بإدانة الماضي، وإنما بفهمه والاستفادة من دروسه.

لقد يكون خط الشروع قد حمل بعض الأخطاء، لكن الأخطر من الخطأ هو الإصرار على السير فيه دون مراجعة. فالقافلة العاقلة ليست التي لا تخطئ، بل التي تعرف متى تتوقف لتصحح اتجاهها وأن تعرف وجهتها .

 

 

القسم  الثالث

 هل نعرف وجهتنا؟

أسوأ ما يمكن أن يصيب القافلة ليس أن تتأخر، بل أن تقطع آلاف الأميال دون أن تعرف إلى أين تريد الوصول.

لو سألنا مجموعة من المسافرين: إلى أين أنتم ذاهبون؟ فأجاب كل واحد منهم بوجهة مختلفة، فلن تكون تلك قافلة، بل جماعة اجتمعت على السير وافترقت في الغاية.

وهذا هو السؤال الذي يواجه العراق اليوم:  - هل نملك وجهة وطنية واضحة؟ -

قد يبدو للوهلة الأولى أن الجواب معروف؛ فكل مسؤول يتحدث عن الإصلاح، وكل حزب يتحدث عن التنمية، وكل برنامج حكومي يعد بالخدمات، وكل مواطن يحلم بدولة مستقرة. لكن عندما نحاول جمع هذه الأهداف في مشروع واحد، نكتشف أنها كثيرًا ما تتحرك في خطوط متوازية لا تلتقي.

إن الفرق كبير بين الحلم والوجهة. الحلم هو أن تتمنى عراقًا مزدهرًا، أما الوجهة فهي أن تعرف كيف تصل إليه، وكم يستغرق الطريق، وما هي المحطات، وما هي التضحيات المطلوبة، ومن المسؤول عن كل خطوة.

ولهذا السبب لا تُقاس نهضة الدول بما تملكه من موارد، وإنما بما تملكه من وضوح في الرؤية.

لقد امتلك العراق عبر تاريخه الحديث خططًا وموازنات وبرامج، لكنه افتقر في كثير من الأحيان إلى  - الرؤية الوطنية الجامعة -  التي تبقى ثابتة مهما تغيرت الحكومات. ولهذا أصبحت الخطط تبدأ ثم تتوقف، وتولد ثم تموت، لأن الذي يتغير لم يكن الوسائل فقط، بل كانت الغاية نفسها.

إن الدولة التي لا تعرف وجهتها تشبه سفينة ضخمة يقودها بحارة مهرة، لكنها بلا بوصلة. قد تكون محركاتها قوية، وقد يكون طاقمها مجتهدًا، لكنها ستظل تدور في البحر حتى تستهلك وقودها، وربما تختلف أطقمها حول اتجاه الإبحار، بينما يضيع الزمن.

ولنتأمل الدول التي حققت نهضتها خلال العقود الماضية. لم يكن سر نجاحها أنها امتلكت أموالًا أكثر، بل لأنها أجابت مبكرًا عن سؤال واحد:  أي دولة نريد أن نصبح بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟   ثم جعلت التعليم، والاقتصاد، والإدارة، والقانون، والسياسة، أدوات لتحقيق تلك الغاية، لا غايات مستقلة عنها.

أما نحن، فكثيرًا ما نعكس المعادلة. ننشغل بإدارة اليوم، ونؤجل صناعة الغد. نتنافس على السلطة قبل أن نتفق على وظيفة السلطة. نختلف على توزيع الثروة قبل أن نخطط لكيفية إنتاجها. ونناقش تفاصيل المشكلات، بينما يبقى السؤال الكبير بلا جواب: ( إلى أين نسير؟ )

لا يعني ذلك أن العراق يفتقر إلى العقول أو الإمكانات. بل على العكس، فهو يمتلك من الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، والطاقات البشرية، ما يؤهله ليكون من الدول المؤثرة في محيطه. لكن هذه الإمكانات، مهما عظمت، لن تتحول إلى نهضة ما لم تخضع جميعها لغاية واحدة وخطة واحدة، وإرادة واحدة.

فالوجهة ليست شعارًا يُرفع في الحملات الانتخابية، ولا وثيقة تُحفظ في الأدراج، بل هي عقد وطني تتعاهد عليه الأجيال، بحيث يعرف الطالب لماذا يتعلم، والمزارع لماذا يزرع، ورجل الأعمال لماذا يستثمر، والمسؤول لماذا يحكم.

وعندما تصبح الغاية مشتركة، تتحول الخلافات السياسية إلى اختلاف في الوسائل، لا إلى صراع على الاتجاه نفسه.

وهنا يظهر سؤال جديد، ربما يكون أكثر إلحاحًا من كل ما سبق:

إذا كنا لا نفتقر إلى الموارد ولا إلى الطاقات، فلماذا تتعثر القافلة كلما حاولت أن تتقدم؟ هل تكمن المشكلة في الطريق، أم في أسلوب إدارة الرحلة نفسها وغياب الخريطة ؟

 

 القسم الرابع

 لماذا نتعثر هل الخريطة ضائعة؟

لا تضيع القافلة لأنها لا تجد طريقًا، بل لأنها تفقد الخريطة التي كانت تهديها إلى الطريق.

فلكل رحلة عظيمة تبدأ بخريطة.وربما يستطيع المسافر أن يتجاوز نقص الزاد، أو قلة الرفاق، أو قسوة الطريق، لكنه لا يستطيع أن يبلغ مقصده إذا فقد خريطته.

وهكذا هي الدول.

فالدولة ليست مجموعة مؤسسات متناثرة، ولا مجرد حدود جغرافية، ولا حكومة تتغير كل أربع سنوات، وإنما هي مشروع طويل المدى، يحتاج إلى خريطة تبقى ثابتة، حتى وإن تغير الذين يحملونها. ولو تأملنا تجارب الأمم التي نهضت، لوجدنا أن حكوماتها اختلفت، وأحزابها تنافست، ووجوهها تبدلت، لكن خرائطها الكبرى بقيت كما هي. فلم يكن رجل في اليابان يرسم يابانًا جديدة مع كل دورة انتخابية، ولم تكن الصين تعيد تعريف أهدافها كلما تبدل قائد، ولم تكن ألمانيا تبدأ من الصفر مع كل حكومة. لقد كانت الخريطة أكبر من الحكومات.

أما في العراق، فإننا كثيرًا ما نخلط بين خريطة الدولة وبرنامج الحكومة.

برنامج الحكومة يمتد لأربع سنوات، أما خريطة الدولة فيجب أن تمتد مثلا لأربعين سنة.

برنامج الحكومة يعالج ما هو عاجل، أما خريطة الدولة فتصنع ما هو دائم.

وحين يختلط الأمران، يصبح كل وزير مهندسًا لدولة جديدة، وكل حكومة تعلن بداية جديدة، وكل خطة تلغي ما قبلها، حتى أصبح العراق يمتلك عشرات الخطط، لكنه يفتقد الخطة التي لا تتغير.

ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا لم تنجح الخطط؟  بل: (هل كانت هناك خريطة واحدة أصلًا؟ )

إن الدول لا تُقاس بعدد الوثائق التي تكتبها، بل بقدرتها على الالتزام بها.

ولعل أخطر ما يصيب الدولة أن تصبح مؤسساتها رهينة للأشخاص. فإذا جاء مسؤول نشط تحركت المؤسسة، وإذا غادره توقف كل شيء، وكأن الإنجاز كان صفة في الرجل، لا في النظام.

أما الدولة الراسخة، فإنها تجعل النظام أقوى من الأشخاص، والمؤسسة أطول عمرًا من المسؤول، والخطة أبقى من الحكومة. وهنا يكمن الفرق بين الدولة التي تبني تاريخًا، والدولة التي تعيش أحداثًا متفرقة.

لقد اعتدنا في العراق أن نحتفل بوضع حجر الأساس، أكثر مما نحتفل بإكمال البناء. واعتدنا الإعلان عن المبادرات، أكثر من قياس نتائجها. واعتدنا أن نغيّر أسماء المشاريع، بينما تبقى المشكلات نفسها. وذلك كله لأن الخريطة غابت، فصار الطريق يُرسم أثناء السير.

إن الأمم لا تتيه بسبب قلة الإمكانات، وإنما بسبب غياب الاتجاه.

وليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، فهذا مستحيل، وإنما المطلوب أن نتفق على المبادئ الكبرى التي لا يجوز أن تتغير: ما هو شكل الاقتصاد الذي نريده؟ وما هو مستوى التعليم الذي نستهدفه؟ وما هو موقع العراق في المنطقة؟ وما هي الصناعات التي نبني عليها مستقبلنا؟ وكيف نحول الثروة النفطية إلى ثروة إنتاجية؟ وما هي صورة العراق بعد ثلاثين عامًا؟

هذه ليست أسئلة حكومة، بل أسئلة وطن. وحين يجيب الوطن عنها، يصبح عمل الحكومات تنفيذًا، لا اجتهادًا في تحديد المصير.

ولذلك فإن أعظم استثمار يمكن أن يقوم به العراق ليس إنشاء مشروع جديد، ولا بناء مدينة جديدة، بل (صياغة خريطة وطنية ملزمة)، تشترك في إعدادها الدولة، والجامعات، والقطاع الخاص، والخبراء، وتلتزم بها الحكومات المتعاقبة، بحيث يصبح تغيير الوزراء أمرًا طبيعيًا، بينما يبقى اتجاه القافلة ثابتًا لا يتغير.

إن القافلة التي تحمل خريطة واضحة قد تتباطأ، وقد تواجه العواصف، لكنها لا تضيع. أما القافلة التي تغير خريطتها عند كل محطة، فإنها ستظل تتحرك كثيرًا، وتصل قليلًا.

إذا استعدنا الخريطة، فما  هو أول قطاع ينبغي أن نعيد بناءه؟

 

القسم الخامس

 من أين تبدأ النهضة؟

حين يمرض الجسد كله، يحتار الناس من أين يبدأ العلاج. أما الطبيب الحكيم، فيبحث أولًا عن القلب.

لقد أمضينا السنوات السابقة نبحث عن أسباب التعثر، وعن ضياع الخريطة، وعن غياب الوجهة، وعن تعدد القادة. لكن بعد كل هذا التشخيص، لا بد أن نطرح السؤال الذي ينتظره الجميع  :

إذا قرر العراق أن يبدأ من جديد، فمن أين يبدأ؟

هل يبدأ من السياسة؟   أم من الاقتصاد؟     أم من التعليم؟  أم من القضاء؟  أم من مكافحة الفساد؟

إن معظم الدول النامية وقعت في خطأ كبير، إذ اعتقدت أن النهضة تبدأ بإصلاح كل شيء في وقت واحد. وكانت النتيجة أن الجهد تشتت، والموارد تفرقت، وضاعت الأولويات.

فالنهضة ليست قائمة أمنيات، بل ترتيب دقيق للأولويات.

ولو عدنا إلى تجارب الأمم، لا لنقلدها بل لنتعلم منها، لوجدنا أنها جميعًا، رغم اختلاف ثقافاتها وأنظمتها، اشتركت في حقيقة واحدة:  دولة اختارت نقطة ارتكاز، ثم بنت عليها بقية المشروع.

فاليابان جعلت الإنسان محور البناء.  

وألمانيا جعلت الصناعة قاعدة القوة الاقتصادية.

وكوريا الجنوبية جعلت التعليم والتكنولوجيا طريقها إلى العالم.

وسنغافورة بدأت بإقامة إدارة نظيفة وكفوءة ومكافحة الفساد.

والصين ركزت على الإنتاج والتخطيط طويل الأمد.

ولم تكن هذه الدول تنقل تجربة بعضها، بل كانت تعرف مشكلتها الأساسية، ثم تعالجها أولًا.

أما العراق، فمشكلته ليست نقص الأفكار، بل كثرة البدايات.

في كل مرحلة نبدأ من مكان جديد، قبل أن نكمل ما بدأناه في المرحلة السابقة.

فنعلن خطة للإصلاح، ثم نعلن بعدها خطة أخرى لإصلاح الخطة الأولى، ثم تأتي حكومة جديدة فنكتب خطة ثالثة، حتى أصبح العراق يبدأ كثيرًا، لكنه نادرًا ما يكمل.

إن النهضة لا تبدأ بكثرة المشاريع، بل  (بحسن اختيار المشروع الأول  ).

وهنا أصل إلى فكرة أراها جوهرية   مفادها : 

إن الاقتصاد ليس كل الدولة، لكنه المحرك الذي يمنح بقية مؤسسات الدولة القدرة على الحركة.

فالتعليم يحتاج إلى اقتصاد قوي.  والصحة تحتاج إلى اقتصاد قوي.   والجيش يحتاج إلى اقتصاد قوي.   والبحث العلمي يحتاج إلى اقتصاد قوي. بل حتى استقلال القرار السياسي لا يتحقق بالكامل إذا بقي الاقتصاد ضعيفًا أو معتمدًا على مصدر واحد للدخل. وهنا اذكر بكتابي ( كيف ينهض العراق اقتصاديا )

لكن الاقتصاد الذي نعنيه ليس اقتصاد الموازنات السنوية، ولا اقتصاد أسعار النفط، وإنما

(ا قتصاد الإنتاج ). الاقتصاد الذي يجعل المواطن منتجًا قبل أن يكون مستهلكًا.  ويجعل الدولة شريكًا للقطاع الخاص، لا منافسًا له.  ويحول الثروة الطبيعية إلى مصانع، والمصانع إلى صادرات، والصادرات إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة وطنية.

وهنا نصل إلى حقيقة ربما تبدو بسيطة، لكنها غيرت مصير أمم بأكملها:

لا توجد دولة قوية باقتصاد ضعيف، ولا توجد نهضة مستدامة بلا قاعدة إنتاجية.

إن النفط قد يمنح الدولة دخلاً، لكنه لا يصنع حضارة.

والقروض قد تمنحها وقتًا، لكنها لا تمنحها مستقبلًا.

أما الإنتاج، فهو الذي يبني الأمم جيلاً بعد جيل.

ولذلك، إذا سألني أحد: من أين تبدأ نهضة العراق؟

فلن أجيب: من السياسة وحدها.      ولن أجيب: من الاقتصاد وحده.

بل سأقول:

تبدأ النهضة عندما تتحول الدولة كلها إلى مشروع إنتاج، ويصبح الاقتصاد هو المحرك، والتعليم هو الوقود، والإدارة هي المقود، والقانون هو الطريق، والإنسان هو الغاية.


مشاهدات 26
الكاتب زهير اسماعيل شهد
أضيف 2026/09/14 - 2:10 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 24274 الكلي 16556794
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير