الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عندما نزرع حبّات حنطة صالحة

بواسطة azzaman

همسات ساخنة... ومضات هادئة

عندما نزرع حبّات حنطة صالحة

لويس إقليمس

 

 

            في الكثير ممّا يُنشر ويُكتب، طبيعيٌّ جدّا أن نجد الغثّ والسمين، النافع والضارّ، الناقِد الإيجابي والمنتقِد السلبيّ. لكنّي أفضّل غالبًا التركيز على ما يثيرُ في نفسي وكياني كلّ ما يتطرقُ إلى ما يخدمُ المجتمع ويجعل من سعادة وراحة أفراد هذا الأخير سبيلاً لبناء الوطن على أسس إيجابية فيها إدامةٌ صالحة للضمير الإنساني الذي لا ينبغي له أن يغيبَ في أية مساعٍ أو تجارب لا تتجاهلُ فيها المصلحة العامة بل تنشطُ بجرأة وصدق وشهامة من أجل إعلاء صورة الوطن قبل اية مصلحة ضيقة أو حزبية أو دينية أو مذهبية أو خاصة. وما أقلّ ما نجدُه من هذه النماذج الإيجابية التي تصدر عن نخب واعية حريصة لا تقبل على نفسها إلاّ أن تزرع حباتِ الحنطة الناضجة والصادقة والمنتخَبة بعناية بعكس أصحاب البذرات الشقاقية والخلافية والطائفية والتعصبية المتطرفة لحدّ النخاع أو المخاتِلة أو المجامِلة أو المداهِنة على حساب الحق والحقيقة ومنها خاصة تلك المتورطة غالبًا في أعمال الفساد واللصوصية ونهب المال العام وهدره بلا ضمير ولا خجل والكسب الحرام بأية وسيلة وأيّ زمن وأية أيادي باستخدام شتى أشكال الكذب والنفاق والمراوغة. وما أكثرهذه النماذج السلبية الأخيرة في مجتمعنا المثقل بهموم البحث عن العيش الكريم الرغيد بسبب عالمنا القذر الطافح بالتفاهات والنكرات والسخافات والعناوين "الجاهلات" ممّن اعتلوا المناصب والمنابر وصعدوا على أكتاف الغير في الساحات والمحافل بالجهل والقوة والتهديد والمحسوبية والتزوير والاختفاء تحت عمامات الدين والمذهب غالبًا، لغاية أصبحوا يتنعمون بمراتب القاضي والجلاّد في سيرتهم وحياتهم ووراءهم تسيرُ القطعان الموغلة في جهلها وتخلّفها بحثًا عن الفتات الذي لا ينالونَه إلاّ بعد عناء ولهاثٍ مهين و"مرمطة". ففي مجتمعنا أصبح للكلام التافه شعبية تضاهي شعبية عشاق كرة القدم التي لأجلها وبسببها يهدر الملايين من البشر قبلَاتِهم وفيها يصبح لاعبوها قدوة ومادةً للكلام بلا حدود بحيث فقدت بلدانٌ وأممٌ وشعوبٌ مستقبلَها لأجل خواطرهم، ما يجعلنا في مقدمة الشعوب المتواصلة في الانحدار الأخلاقي وفي التخلّف والتراجع في كلّ شيء.

لكنّي في كلّ الأحوال، لا أخفي متعتي وسعادتي أيضًا، بالغَرف من أحاديث الحِكَم والنُصح والتذكير بكلّ ما يصنعُ ويبني ويسعى للتأسيس لمجتمعٍ جديد خالٍ من أصحاب مثل هذه الأيادي الوسخة التي اعتادت التزوير والسرقة والعيش باللصوصية والنهب وأعمال "الفرهود" المتواصلة على حساب الغير والوطن والمجتمع منذ أكثر من عقدين في كلّ شيء وأيّ شيء في عراق ما بعد التغيير السلبيّ الذي اختفت عنه وفيه كلُّ معايير الدولة الحقيقية حين غابت مؤسساتُه الدستورية وقُضي على واحدٍ من أفضل الجيوش في المنطقة والعالم، الضامن الوطني الأكيد لسلامة البلد واستقرار شعوبه وحفظ سيادته وصون كرامته وليس بتبعيته المهينة، عقائديةً كانت أم سياسية أم مناطقية أو دينية. فقد كان العراق شوكةً حادةً في خاصرة الأمريكي المتغطرس الكذّاب ودول الغرب السفيهة المتلونة وبلدان الجوار الطامعة والحانقة على مدى القرون والأزمان بسببٍ من حضارته وأنفتِه وشموخ تاريخه ومؤسساته الدستورية والأمنية القوية والفاعلة محليًا ومناطقيًا ودوليًا. إنّه وبسبب حنق الغازي الأمريكي الطائش وكراهيته وتحريضه لأدواته الذين جلبهم من الشارع بحسب اعتراف الحاكم المدني الأمريكي المعتوه "بريمر" في مذكراته، بأخرى تناسبُ مقاسات سادة البيت الأبيض ديمقراطيين كانوا أم جمهوريين، فقد اختلّت موازين البلاد وأصبح الشذوذ في ممارسة أشكال اللصوصية والسرقة والنهب والسلب العلنية قياسًا، فيما النزاهة ونظافة اليد والشفافية أضحت من مواد السخرية في مجتمعنا الذي انقلب من مواطن صالح ينتمي لوطن يبحث عنه بكل جوارحه إلى منافق خانع خاضع يقبّل أرجل الغير ويركع له ويُطعمُه ويُشربه ويرتمي تحت ذراعيه لتلبية طلباته وأوامره صاغرًا بلا وعي ولا تفكير ولا غيرة ولا شرف. والحقيقة الصادمة وقوع هذه السلوكيات الشاذة وغير الطبيعية بآثارها المدمّرة وأشكالها الظالمة وقهرها اللامحدود على ما سواها من المكوّنات الأكثر هشاشة في المجتمع العراقي، ومنها الأقليات الدينية والعرقية التي بدت شبه معزولة أو غالبًا مغيّبة في أية حكومات مشكَّلة أو اتفاقات أو تحالفات أو تعاقدات محلية أو دولية إلاّ على خجل وبرعاية سيّد البيت الأبيض وأدواته الغربية التابعة له. فكانت الهجرة ملاذًا مخيّرًا أو مجبَرًا في البحث عن مستقبل آمن ومصير وطني بعد فقدِ مبرّرات العيش الآدمي الذي غابَ بلا رجعة لغاية الساعة. فكيفَ تطلبُ اليوم، حكوماتُ مابعد الغزو الأمريكي الطائش وأعوانه وشركاؤُه من مواطنين مسيحيين خاصةً العودة إلى حضن الوطن والالتصاق بأرض الآباء والأجداد والاستثمار فيها وإعادة بنائها وإعمارها، فيما هي وأدواتُها من ساستها المتعاقبين في الحكم ونوابُها الفاسدون في البرلمان وقضاؤُها المخترَق العامل تحت ضغوط زعامات الأحزاب باعترافهم صراحةً، ناهيك عن وقوع فئات واسعة من مسؤولي وموظفي الدولة تحت مظلة الفساد والرشوة والنهب والسرقة والتزوير؟

إزاء هذه السلوكيات المنحرفة وغير المحترمة في حكومات ما بعد الغزو المرير، فقد لحق الغبن بالوطن واهله الطيبين الذين تحولوا إلى قطعان يتبعون رعاةً فاسدين غير آبهين بسعادة مَن ائتمنهم على بيوتهم وأعراضهم وشرفهم ومصالح بلدهم وثرواته وأجياله. فكان مصيرُ المختلفين مع هذه المنهجيات وجلُّهم من النخب المثقفة والمحصنة بالمدنية والحضارة الأصيلة أو من فئة السلطة الرابعة التي لاقت وماتزال تلاقي المضايقات والأهوال وحتى الملاحقات بسبب نقل روّادها الصادقين للحقيقة وتوجيه الرأي العام بضرورة التصدّي لأشكال الفساد وأدواته والبحث عن جذوره وملاحقة أصوله أيًا كانت عناوينُهم ومراتبُهم ومناصبُهم. فلا أحد فوق القانون ولا أحد محصَّنٌ بالمنصب أو المرتبة أو القرابة أو النسابة أو الانتماء لأحزاب فاسدة وفاشلة أو تابعة لزعاماتٍ تركت مصلحة الوطن والمواطن خلف ظهورها غير مستشعرةٍ بمآل وأحوال مواطنيها وأتباعهم ممّن لهثوا وراءهم بفتاتٍ من وريقات نقدية لا تفي كفاف خبزهم اليومي. وشتّان ما بين هؤلاء الساسة وأغلب النواب وفئة واسعة من المسؤولين في الدولة العراقية الفاسدين وغير المخلصين في عملهم وبين أسلافهم الطيبين أو من بني ظهرانيهم من طاهري الذيل والنوايا الحسنة والقلوب الطيبة والعامرة بالنزاهة وحب الوطن ممّن زرعوا ومازالوا يزرعون حبّات حنطة صالحة تنفعهم وأهاليهم وأجيالَهم لتكون ذخرًا لهم ولبني جنسهم من بعدهم. فقيمة العمل الصالح والسمعة الطيبة لدى أصحاب الثوب النزيه تعكس التربية المنزلية والدينية والمجتمعية الصالحة المنتجة ثمارًا طيبةً انطلاقًا من الأسرة التي تمثلُ البذرة الأولى في التربية المجتمعية الصالحة مرورًا بالمدرسة بمناهجها الإنسانية الواسعة بعيدًا عن مفردات الدين والعقيدة والمذهب ووصولاً إلى أداب الشارع بالهمّة والنظافة والحرص على احترام الآخر وحسن السلوك اليومي، وأخيرًا بالحرص على مهنية الوظيفة وإتقانها بصدق وراحة بال، أيًا كانت وسائل ومفردات نطاقها المؤسساتية، سواءً في البنية الرسمية والحكومية أو في مواقع القطاع الخاص المتخلّف في اللحاق بركب نظرائه في دول متقدمة قطعت أشواطًا في تطويره وتقويمه وأدائه. واللبيب من الإشارة يفهم! فما يزرعُه الإنسان إياه يحصد!

 

نصائح تقطرُ عسلاً وأيادي ضارعة

لآ أنكرُ أنني غالبًا أجدُ نفسي متوقفًا للتأمّل في عبارات جميلة كثيرة أتصفحُها أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي أو ممّا تقع عليه عيناي، وهي تقطرُ عسلاً صادقًا في تقديم النصح والمشورة المجانية لكلّ قارئٍ ومتصفحٍ ثاقب الرأي وفاحصٍ لما يحتاجُه المجتمع العراقيّ الباحث عن مفهومٍ "علمانيّ" مدنيّ منفتح متطور مع تطور الحياة ومتطلباتها. فقد يئس مجتمعُنا في أغلبه من مساعي وآليات وأدوات دعاة الدين والمذهب في شقّ الرؤية الوطنية وفرض لونٍ واحد بلا طعمٍ ولا رائحة في بلدٍ عبقت رائحتُه بثقافات وأديان ومذاهب وتوجهات فكرية متعددة المشارب والمآلات والنابعة من حُسن وعي حضارات الأمس الجميل إلاّ من أصحاب الفكر المتطرّف واللاّواعي والمذهبيّ المتعصّب الذي تدافعُ أدواتُه عن الجهل والجهلاء وأشكال التخلّف وأدواته، وغيرهم ممّن يتعاطى التزوير والكذب والتزلّف باسم الدين والمذهب وبالتديّن المظهري الفارغ، ويدعم روّادَه وصنّاعَه ويرفعهم إلى درجات القداسة والمعصومية مع تحريم الأتباع بالتطرّق إلى ما يمسّ رفضَ أو نقدَ فكرِهم الساذج وسلوكياتهم الخرافية وفرضياتهم الخائبة. بعضُ هؤلاء قد نصبوا من أنفسهم وشخوصهم الجدلية آلهةً واجبةَ الطاعة والخضوع والأمرة بما ينطقون ويوجّهون ويريدون من غير نقاش ولا تفسير. فالشعب في عمومه لا يبحث اليوم بعد تجربة السقوط المنتكسة التي أضاعته الطريق القويم للبناء والإعمار والعيش الرغيد والطمأنينة، سوى عن أشكالٍ صالحة من العدل والمساواة وليس الإيغال بالتمييز المرفوض في تسيير شؤون البلاد والعباد في بلد صنعَ أقدمَ الحضارات وعاشَ أحلى الأزمان وشكّلَ أروعَ الثقافات وصاغَ أفضل القوانين وصانَ الحقوق وحفظ الواجبات. فمازال فيه ما يكفي من تلك البذور اليافعة والمنتجة قدَرٌ وافٍ من الوعي والفكر والروح والجرأة ليقول كلمتَه بحثًا عن ركائز وطنية صادقة قابلة التجديد والتعافي من إدارات سياسية متعاقبة مهزوزة منذ أكثر من 22 عامًا من حكم البلاد لكونها لا تنتمي في سياساتها إلى مفهوم الوطن والمواطنة الضامن لمجتمع صحيح الفكر والمنطق ومتسامحٍ معافىً من أدران التطرّف والتمييز وأشكال الفساد واللصوصية "عيني عينك" وكل أنواع التعالي والتجافي والتبعية الخانعة غير المقبولة  للغير وللدخيل ومنها عبادة هذا الغريب قبل القريب.

حينها يبقى الهمسُ والغمز من علامات أحاديث الشرفاء الخافرين الساهرين على صيانة الضمير وحراسة الشرف الوطني الذي تراجعَ ومازال يتراجعُ متقهقرًا خائبًا لا حولَ له ولا قوّة بسبب كثرة مثالب الأغلبية النافذة، وتكالب أعداء الداخل قبل الخارج، سياسةً ودينًا ومذهبًا وتبعيةً أو حتى مجتمعًا عشائريًا لم يعد هو الآخر يرحم ولا يستكينُ إلا بما يخدمُ مصالحَه ويأتي بالمنفعة لمشاريع شيوخه وطموحاتهم حتى لو كانت هذه الأخيرة خارج أصول المقاولة التنافسية والتجارة النزيهة. أمّا الحملة الأخيرة في مكافحة الفساد في عراق الفرهود، فلن تأتي بثمارها المرتقبة التي تنتظرها العيون والقلوب والنفوس داخليًا وخارجيًا، إلاّ بمعالجة مكامن الخلل بدءً من السطح وأعلى الدرج أي من زعامات الدرجة الأولى من الأحزاب الرئيسية والرئاسات الأربع وأدواتها وأتباعها نزولاً عند الدرجات السفلى في نهاية المهمّة. وليس خفيًا أنّ غالبية المواطنين لا يعتقدون بقدرة الحكومة الحالية وأجهزتها القائمة المسؤولة عن مهمّة مكافحة الفساد وتجفيف منابعه ستستطيع الاقتراب من الحيتان الكبيرة التي كانت في يومٍ من الأيام جائعة ثمّ شبعت حتى فاقت التخمة، إلاّ بقدرة قادر أو أعجوبة تنزلُ من السماء الغافية عنها وعنهم. أللّهمّ نسألُكَ قرب الساعة فلا تردّ طلبَ الأيادي الضارعة!

 


مشاهدات 103
أضيف 2026/07/25 - 12:00 PM
آخر تحديث 2026/07/25 - 9:09 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1089 الشهر 27669 الكلي 15932796
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير