الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مواجهة الفساد

بواسطة azzaman

مواجهة الفساد

ضرغام القاضي

 

يعد الفساد من أخطر التحديات التي تواجه الدول الساعية إلى ترسيخ الاستقرار وتحقيق التنمية المستدامة، لما يتركه من آثار سلبية تطال مختلف مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية والاجتماعية. وفي العراق، يشكل الفساد عقبة حقيقية أمام جهود الإصلاح وبناء مؤسسات الدولة، إذ يؤدي إلى هدر المال العام، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية، وتعطيل تنفيذ المشاريع الحيوية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية.

لقد أصبح ملف مكافحة الفساد من الأولويات الوطنية التي لا يمكن تأجيلها، لأن استمرار هذه الظاهرة يهدد مستقبل الأجيال القادمة، ويؤثر في قدرة الدولة على استثمار مواردها الطبيعية والبشرية بالشكل الأمثل. فالمال العام هو ملك لجميع العراقيين، وأي اعتداء عليه أو إساءة استخدامه يمثل اعتداءً على حقوق المجتمع بأكمله، ويؤخر مسيرة التنمية والإعمار.

ولا تقتصر آثار الفساد على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى إضعاف هيبة الدولة، وإرباك عمل المؤسسات، وخلق بيئة إدارية تفتقر إلى العدالة وتكافؤ الفرص. كما يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين، وإحجام رؤوس الأموال عن الدخول في مشاريع تنموية، وهو ما ينعكس سلبًا على فرص العمل، والنمو الاقتصادي، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

إن حماية المال العام مسؤولية وطنية ودستورية تقع على عاتق الجميع، وتستلزم تفعيل منظومة الرقابة والمساءلة، وتعزيز استقلال القضاء، وتمكين المؤسسات الرقابية من أداء مهامها بكفاءة وشفافية، مع تطبيق القانون على الجميع دون تمييز أو استثناء. فلا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يكن القانون هو الفيصل، وتكون العدالة هي الأساس في محاسبة كل من يثبت تورطه في قضايا الفساد، وفق الإجراءات القضائية والقانونية المعتمدة.

كما أن بناء ثقافة النزاهة يبدأ من الأسرة، ويتعزز في المدرسة والجامعة، ويترسخ في مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام. فالتوعية المجتمعية بأهمية الحفاظ على المال العام، ونشر قيم الأمانة والمسؤولية، وتشجيع الإبلاغ عن حالات الفساد عبر القنوات القانونية، تمثل أدوات مهمة في الحد من هذه الظاهرة، إلى جانب توفير الحماية القانونية للمبلغين والشهود.

ويمتلك العراق إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة تؤهله لأن يكون في مصاف الدول المتقدمة، فهو يملك ثروات طبيعية هائلة، وطاقات شبابية قادرة على الإبداع والإنتاج. إلا أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب بيئة إدارية وقانونية قائمة على الشفافية، وحسن التخطيط، والإدارة الرشيدة، والاستثمار الأمثل للموارد، بعيدًا عن الهدر والمحسوبية وسوء الإدارة.

إن مواجهة الفساد ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين السلطات الدستورية، والأجهزة الرقابية، والقضاء، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمواطنين. فالإعلام الحر والمسؤول يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز ثقافة النزاهة، وكشف مكامن الخلل، وتسليط الضوء على أهمية الإصلاح، مع الالتزام بالمهنية والدقة واحترام الأطر القانونية.

ولا شك أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة وطنية صادقة، وخطط عملية واضحة، ومتابعة مستمرة، وتقييم دوري لنتائجها، بما يضمن معالجة مواطن الضعف، وتعزيز نقاط القوة. فكلما ترسخت مبادئ الشفافية، واتسعت دائرة المساءلة، وتعززت سيادة القانون، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة، واستعادة ثقة المواطن، وبناء مؤسسات قوية وقادرة على أداء واجباتها بكفاءة.

ويبقى الاحتكام إلى الدستور وسيادة القانون هو الضمانة الأساسية لبناء دولة المؤسسات، حيث تكون المساءلة نهجًا ثابتًا، وحماية المال العام أولوية وطنية، وخدمة المواطن الغاية العليا لكل السياسات والبرامج الحكومية. إن العراق يستحق إدارة رشيدة، ومؤسسات قوية، وإرادة وطنية تجعل من النزاهة أساسًا للإصلاح، ومن العدالة طريقًا لاستعادة الثقة، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، يحقق تطلعات جميع العراقيين في وطن يسوده القانون، وتُصان فيه الحقوق، وتُحترم فيه الكفاءات، ويكون فيه المال العام أمانة لا يجوز التفريط بها


مشاهدات 17
الكاتب ضرغام القاضي
أضيف 2026/07/22 - 3:10 PM
آخر تحديث 2026/07/23 - 1:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 24613 الكلي 15929740
الوقت الآن
الخميس 2026/7/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير