الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل تؤدي موجة مكافحة الفساد إلى الإصلاح السياسي؟

بواسطة azzaman

دراسة إستشرافية بإحتمالات المستقبل

هل تؤدي موجة مكافحة الفساد إلى الإصلاح السياسي؟

محمد عبد الجبار الشبوط

 

مقدمةتشهد الساحة العراقية منذ أواخر حزيران 2026 موجة غير مسبوقة نسبياً من ملاحقة المتهمين بالفساد، شملت اعتقال نواب ومسؤولين كباراً وشخصيات سياسية وإدارية، ومصادرة أموال وممتلكات وكميات كبيرة من الذهب، بعد تحريات كشفت عن شبكات مترابطة داخل مؤسسات الدولة وخارجها. وقد اكتسبت هذه الموجة أهمية خاصة لأنها لم تقتصر، كما جرت العادة، على موظفين صغار أو مسؤولين فقدوا نفوذهم، بل اقتربت من دوائر سياسية وحزبية تتمتع بالحصانة والعلاقات والنفوذ. وأفادت التقارير بأن العملية الأولى أدت إلى توقيف عشرات الأشخاص، بينهم أعضاء في مجلس النواب ومسؤولون حكوميون، بعد رفع الحصانة عن بعضهم وصدور أوامر قضائية بحقهم. (Reuters)

وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تمثل هذه الحملة بداية إصلاح سياسي حقيقي، أم أنها ستظل حملة جنائية وأمنية محدودة، مهما اتسع عدد المعتقلين وكبرت قيمة الأموال المستردة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على حجم الاعتقالات، وإنما على ما إذا كانت الحملة ستصل إلى البنية السياسية التي أنتجت الفساد وحمته، أم ستكتفي بمعاقبة بعض الأفراد مع بقاء النظام المنتج لهم على حاله.

أولاً: طبيعة الفساد في العراق

لا يمكن فهم مستقبل الحملة الحالية من دون تحديد طبيعة الفساد العراقي. فالفساد في العراق ليس مجموعة منفصلة من جرائم الرشوة والاختلاس يرتكبها أفراد منحرفون داخل جهاز دولة سليم في أساسه، وإنما هو، في قسم كبير منه، فساد سياسي منظم ومسنود بشبكات حزبية واقتصادية وإدارية.

لقد تحولت بعض الوزارات والهيئات والمناصب العليا إلى مناطق نفوذ تتقاسمها القوى السياسية، ولم يعد المنصب الحكومي في حالات كثيرة وظيفة عامة بقدر ما أصبح مورداً للتمويل السياسي والحزبي والشخصي. وضمن هذا النمط لا يعمل المسؤول الفاسد بمفرده، بل داخل سلسلة قد تضم سياسياً يوفر الحماية، ومسؤولاً إدارياً يوقع العقود، ورجل أعمال ينفذ الصفقة، ومصرفاً أو شركة تحول الأموال، وواجهة قانونية تخفي الملكية الحقيقية.

وتصف دراسات متخصصة هذه الظاهرة في العراق بأنها «فساد مسموح به سياسياً»، نشأ داخل نظام تقاسم السلطة بعد عام 2003، حين استولت الأحزاب تدريجياً على مؤسسات الدولة وأضعفت استقلالها، فتحولت المحاصصة من وسيلة مؤقتة لتمثيل الجماعات إلى آلية دائمة لتوزيع الدولة ومواردها. (Chatham House)

وهذا يعني أن مكافحة الفساد في العراق تتضمن مستويين مختلفين:

المستوى الأول هو مكافحة الجرائم الفردية، من خلال التحقيق والاعتقال والمحاكمة واسترداد الأموال.

أما المستوى الثاني فهو تفكيك النظام السياسي والإداري الذي يسمح بتكوين شبكات الفساد ويوفر لها الحماية وإمكانات التجدد.

موجة حالية

قد تنجح الدولة في المستوى الأول من دون أن تتقدم كثيراً في المستوى الثاني. بل قد يُعتقل عشرات الفاسدين، ثم يحل محلهم فاسدون جدد لأن القواعد التي أنتجت السابقين بقيت كما هي.

ثانياً: ما الذي يميز الموجة الحالية؟

تتميز الموجة الحالية بعدة عناصر قد تجعلها أكثر أهمية من الحملات السابقة.

أول هذه العناصر هو اتساع دائرة المستهدفين واقترابها من شخصيات سياسية تتمتع بالنفوذ والحصانة. وهذه نقطة مهمة، لأن هيبة القانون لا تُبنى باعتقال صغار الموظفين، وإنما بإثبات قدرة الدولة على الوصول إلى أصحاب المواقع العليا.

والعنصر الثاني هو استخدام أجهزة أمنية ذات قدرة تنفيذية عالية، بالتنسيق مع القضاء وهيئات الرقابة، وهو ما قلل، في بداية الحملة على الأقل، من قدرة المتهمين على تعطيل أوامر القبض أو الاحتماء بالمناطق المحصنة.

أما العنصر الثالث فهو ظهور مؤشرات على الانتقال من ملاحقة الأفراد إلى تتبع الشبكات والعلاقات والأموال والممتلكات. وكشف كميات كبيرة من الأموال والذهب والعقارات يدل على أن التحقيقات قد تتجاوز الفاعل المباشر إلى البنية المالية التي استخدمت في تخزين عائدات الفساد أو غسلها. (Al Jazeera)

والعنصر الرابع هو أن الحملة بدأت تخلق انقسامات داخل القوى الحاكمة نفسها، لأن استمرارها قد يهدد التوازنات التي قامت عليها العلاقات بين الأحزاب والمؤسسات. وقد أشارت تقارير إلى ظهور تباينات داخل الإطار التنسيقي بشأن الحملة وتداعياتها. (Arab News)

لكن هذه المميزات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات أن العراق دخل مرحلة الإصلاح السياسي. فهي تثبت أن الدولة بدأت تستخدم أدوات قوية ضد بعض مظاهر الفساد، لكنها لا تثبت حتى الآن أنها قررت تغيير قواعد السلطة وإدارة الدولة.

ثالثاً: الفرق بين مكافحة الفساد والإصلاح السياسي

مكافحة الفساد تعني ملاحقة من خالف القانون وأثرى على حساب المال العام. أما الإصلاح السياسي فيعني تغيير القواعد التي تحدد كيفية الوصول إلى السلطة، وتوزيع المناصب، وإدارة المال العام، وتعيين كبار المسؤولين، وتمويل الأحزاب، وإجراء الانتخابات، ومراقبة الحكومة.

ولهذا فإن الاعتقالات لا تتحول تلقائياً إلى إصلاح سياسي. إنما تتحول إلى إصلاح عندما تنتج عنها تغييرات مؤسسية، مثل:

1. إنهاء سيطرة الأحزاب على الوزارات والهيئات المستقلة، وإخضاع التعيينات العليا لمعايير الكفاءة والنزاهة.

2. فرض الكشف الحقيقي عن الذمم المالية والمصالح التجارية للمسؤولين وأقاربهم.

3. الكشف عن مصادر تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية.

4. نشر العقود الحكومية والمناقصات والمدفوعات بصورة تسمح برقابتها.

5. حماية القضاء وأجهزة النزاهة من الضغط السياسي.

6. إنهاء الحصانات العملية غير المكتوبة التي يتمتع بها بعض أصحاب النفوذ.

7. إصلاح النظام الانتخابي بما يقلل استخدام المال العام والسلاح والوظائف في شراء النفوذ الانتخابي.

من دون هذه التحولات، تبقى الحملة عملية تنظيف محدودة داخل بناء سياسي لم تتغير هندسته.

رابعاً: العوامل التي قد تدفع الحملة نحو الإصلاح السياسي

1. استقلال القضاء واستمرارية التحقيق

إذا استمر القضاء في إصدار قراراته على أساس الأدلة، من دون تمييز بين حزب وآخر أو جماعة وأخرى، فسوف تؤدي الحملة تدريجياً إلى إضعاف مبدأ الحماية السياسية.

تخفيف عقوبة

لكن الخطر يكمن في تحويل استرداد الأموال إلى بديل عن العقوبة. فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى العمل على آليات تجمع بين المحاسبة واستعادة الأموال، وقد تتضمن تخفيف بعض الإجراءات أو العقوبات ضمن الأطر القانونية لمن يعيد الأموال. (Arab News)

استرداد المال العام ضرورة، لكنه لا يكفي وحده. فإذا أصبح بإمكان المسؤول أن يسرق، ثم يعيد ما يُكتشف من المال مقابل تخفيف كبير للعقوبة، فسوف تتحول السرقة إلى مغامرة محسوبة المخاطر. لا تتحقق وظيفة الردع إلا بالجمع بين استرداد المال والعقوبة المتناسبة والحرمان من تولي المسؤولية العامة.

2. شمول الحملة لجميع مراكز القوة

ستفقد الحملة صدقيتها إذا اقتصرت على طرف سياسي أو طائفي أو مناطقي بعينه، أو إذا استُخدمت لإزاحة خصوم رئيس الوزراء وإعادة توزيع النفوذ داخل الطبقة الحاكمة.

المعيار الحاسم ليس عدد المعتقلين، بل وحدة المقياس القانوني. فإذا طالت التحقيقات المسؤولين في الحكومة الحالية والسابقة، والوزارات والهيئات والمحافظات، والشبكات الشيعية والسنية والكردية، فسوف يتعزز احتمال تحولها إلى مشروع دولة.

أما إذا توقفت عند حدود تفرضها التوازنات السياسية، فسوف تتحول إلى أداة في الصراع داخل النظام، لا أداة لإصلاح النظام.

3. الانتقال من الملفات الفردية إلى مصادر الفساد

ينبغي ألا يقتصر التحقيق على السؤال: من سرق؟ بل يجب أن يتوسع إلى أسئلة أكثر عمقاً: كيف استطاع أن يسرق؟ من عينه؟ من وفر له الحماية؟ كيف مرت العقود؟ أين كانت أجهزة الرقابة؟ كيف خرجت الأموال؟ ومن استفاد سياسياً أو انتخابياً منها؟

عندما تجيب الدولة عن هذه الأسئلة، تنتقل من القبض على الفاسد إلى إغلاق الطريق الذي سار فيه.

4. وجود إرادة سياسية تتحمل كلفة الإصلاح

الإصلاح السياسي الحقيقي سيصطدم حتماً بمصالح أحزاب وشخصيات وشبكات اقتصادية وإعلامية ومسلحة. ولذلك فإن الحكومة لا تستطيع الاستمرار فيه من دون تحمل كلفة سياسية وربما أمنية كبيرة.

كلما اقتربت التحقيقات من ممولي الأحزاب وشبكات العقود والنفط والمنافذ والمصارف، ازدادت مقاومة الحملة. وقد تبدأ هذه المقاومة بالتشكيك القانوني والإعلامي، ثم تنتقل إلى الضغط البرلماني أو تعطيل الحكومة أو تفجير أزمات أمنية واجتماعية.

ومن هنا ستكون المرحلة الثانية من الحملة أصعب من المرحلة الأولى. فقد تسمح القوى السياسية باعتقال بعض الأفراد لحماية النظام، لكنها ستقاوم عندما تشعر بأن قواعد تمويلها ونفوذها أصبحت مهددة.

5. الضغط الشعبي والإعلامي

لا تستطيع أجهزة الدولة وحدها تفكيك فساد متغلغل في الدولة والمجتمع. وتؤكد الخبرات الدولية أهمية المجتمع المدني والإعلام المفتوح والرقابة العامة في تحقيق نتائج مستدامة، إلى جانب استقلال مؤسسات الرقابة والقضاء. كما تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى توسيع المجال المدني وتقوية أجهزة الرقابة المستقلة وشفافية الملكية الحقيقية للشركات. (Transparency.org)

لكن الضغط الشعبي المطلوب ليس الغضب المؤقت، بل متابعة مستمرة للملفات والأحكام والأموال المستردة، ومطالبة الدولة بنشر المعلومات، ومنع الصفقات السياسية السرية.

خامساً: العوامل التي قد توقف الحملة أو تفرغها من مضمونها

1. التسويات الواسعة

يمكن للتسويات أن تساعد في استعادة الأموال.

 وتسريع بعض القضايا، لكنها تصبح خطرة عندما تحل محل العدالة. فالتسوية التي تعيد جزءاً من المال وتبقي النفوذ السياسي والاقتصادي للمتهم قد تعيد تدوير النخبة الفاسدة بدلاً من إنهائها.

2. الانتقائية السياسية

إذا شعر المواطن أن الحملة تعاقب خصوم السلطة وتحمي حلفاءها، فسوف تنهار الثقة بها سريعاً. وستتحول ملفات الفساد إلى أسلحة تفاوض متبادلة بين الأحزاب: يُفتح الملف عند الخلاف ويُغلق عند التسوية.

3. بطء المحاكمات

الاعتقال حدث إعلامي، لكن الحكم القضائي هو النتيجة القانونية. فإذا بقيت القضايا سنوات طويلة في التحقيق، أو أُطلق سراح المتهمين لاحقاً من دون تفسير واضح، فسوف تُفهم الحملة بوصفها استعراضاً مؤقتاً.

4. بقاء الاقتصاد الريعي

تتيح الدولة الريعية للحكومة والأحزاب توزيع الوظائف والعقود والامتيازات من عائدات النفط، من دون علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع قائمة على الضرائب والمساءلة والإنتاج. لذلك فإن إصلاح الاقتصاد جزء من مكافحة الفساد، لا ملف منفصل عنها.

5. بقاء المحاصصة

ما دامت الوزارات توزع بوصفها حصصاً حزبية، فسوف تسعى الأحزاب إلى استثمارها سياسياً ومالياً. وقد يتغير الوزير أو المدير، لكن وظيفة الوزارة داخل النظام الحزبي تبقى ثابتة.

سادساً: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: الاحتواء وإعادة إنتاج النظام

في هذا السيناريو تستمر الحملة عدة أشهر، وتصدر أحكام بحق عدد من المسؤولين، وتُسترد أموال مهمة، لكن القوى السياسية تنجح في وضع حدود لها. ويجري تقديم بعض الشخصيات بوصفها أكباش فداء، مع حماية البنية الأساسية للمحاصصة والتمويل الحزبي.

وقد تعتمد السلطة تسويات قانونية ومالية واسعة، ثم تعلن نجاح الحملة استناداً إلى قيمة الأموال المستردة وعدد المعتقلين. وبعد تراجع الاهتمام الشعبي والإعلامي، تعود شبكات الفساد إلى العمل بأسماء ووسائل جديدة.

هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً إذا لم تنتقل الحملة سريعاً من الاعتقال إلى التشريع والإصلاح المؤسسي.

السيناريو الثاني: إصلاح جزئي داخل النظام

يؤدي استمرار الحملة في هذا السيناريو إلى تقليص مساحة الإفلات من العقاب، وإعادة تنظيم عدد من المؤسسات، واعتماد أنظمة رقمية أكثر شفافية، وتشديد الرقابة على العقود والتحويلات والتعيينات.

لكن الإصلاح يبقى جزئياً؛ إذ لا تُلغى المحاصصة تماماً، ولا تنتهي سيطرة الأحزاب على الدولة، وإنما تصبح ممارسة الفساد أكثر صعوبة وكلفة. ويظهر داخل الطبقة السياسية اتجاه يدرك أن استمرار النهب يهدد النظام كله، فيقبل بإصلاحات تحمي بقاءه وتخفف فساده.

هذا السيناريو لا ينتج دولة حضارية مكتملة، لكنه قد يشكل انتقالاً مهماً من الفساد المنفلت إلى دولة أكثر قدرة على الرقابة والمحاسبة.

السيناريو الثالث: التحول نحو إصلاح سياسي بنيوي

في هذا السيناريو تكشف التحقيقات أن الفساد ليس انحرافاً فردياً بل منظومة سياسية، فتتحول الحملة إلى برنامج إصلاحي شامل يتضمن قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات والتمويل السياسي وتضارب المصالح والكسب غير المشروع، وإصلاح التعيينات العليا والمشتريات الحكومية.

وتبدأ الدولة بفك الارتباط بين الأحزاب والوزارات، وتوسيع الإدارة الرقمية، ونشر العقود والموازنات التفصيلية، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، ومنع المدانين بالفساد من العودة إلى الحياة السياسية.

وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل التحالفات السياسية، وصعود قوى جديدة تتبنى بناء الدولة، وتراجع الأحزاب التي قامت قوتها على شبكات المال العام والوظائف والعقود.

هذا السيناريو هو الأفضل، لكنه الأقل احتمالاً في المدى القريب، لأنه يتطلب أن تنقلب الدولة على كثير من القواعد التي تشكل النظام السياسي القائم.

سابعاً: المؤشرات المبكرة التي تكشف اتجاه المستقبل

يمكن خلال الأشهر المقبلة تحديد الاتجاه الذي تسير نحوه الحملة من خلال مراقبة عشرة مؤشرات:

أولاً، هل تشمل التحقيقات شخصيات من جميع القوى والمكونات، أم تتوقف عند أطراف محددة؟

ثانياً، هل تنشر الدولة بيانات دورية موثقة عن القضايا والأحكام والأموال المستردة؟

ثالثاً، هل تتم المحاكمات في مدد معقولة مع ضمان حقوق المتهمين؟

رابعاً، هل تقترح الحكومة حزمة تشريعات تمنع تضارب المصالح وتمويل الأحزاب من المال العام؟

خامساً، هل تبدأ مراجعة التعيينات الخاصة والمديرين العامين ورؤساء الهيئات؟

سادساً، هل يجري التحقيق في دور الأحزاب والشركات والمصارف، أم يقتصر الأمر على الموظفين؟

سابعاً، هل تشمل الرقابة العقود الجديدة للحكومة، لا ملفات الحكومات السابقة فقط؟

ثامناً، هل يتحول استرداد الأموال إلى مكمل للعقوبة أم إلى بديل عنها؟

تاسعاً، هل يُحمى الصحفيون والمبلغون والشهود؟

عاشراً، هل تتغير طريقة إدارة الوزارات والمنافذ والعقود بعد انتهاء الاعتقالات؟

كلما تحققت هذه المؤشرات، ارتفعت احتمالات الإصلاح السياسي. وكلما غابت، اقتربت الحملة من سيناريو الاحتواء.

ثامناً: شروط تحويل الحملة إلى مشروع إصلاح

ينبغي للحكومة، لكي تحول الحملة إلى نقطة تحول تاريخية، إعلان برنامج وطني متكامل يتضمن ثلاثة مسارات مترابطة.

المسار الأول قضائي، يقوم على التحقيق المهني، والمحاكمات العادلة والسريعة، واسترداد الأموال، والعقوبات الرادعة، ومنع المدانين من تولي المناصب العامة.

المسار الثاني مؤسسي، يقوم على إصلاح أنظمة العقود والتعيينات والرقابة والتدقيق والتحويلات المالية، ورقمنة الإجراءات لتقليل سلطة الوسيط والموظف والحزب.

المسار الثالث سياسي، ويشمل إصلاح قوانين الأحزاب والانتخابات والتمويل السياسي، وإنهاء الاستحواذ الحزبي على مؤسسات الدولة.

وقد أُعدت في العراق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد للفترة 2025–2030، لكنها تحتاج إلى اعتماد فعلي وربطها بالميزانيات والمسؤوليات والمؤشرات القابلة للقياس، حتى لا تبقى وثيقة إدارية منفصلة عن الصراع الحقيقي على السلطة والمال. (UNDP)

الخلاصة الاستشرافية

لن تؤدي موجة مكافحة الفساد الحالية، بذاتها، إلى الإصلاح السياسي في العراق. لكنها قد تفتح الباب إليه.

والفارق بين الاحتمالين يكمن في السؤال الآتي: هل تريد السلطة معاقبة بعض الفاسدين، أم تريد إلغاء الشروط التي تسمح بظهورهم؟

إذا اقتصر الأمر على الاعتقالات واسترداد الأموال، فسوف تنجح الحملة في كشف جانب من الفساد وتخويف بعض المتورطين، لكنها لن تمنع تجدد الظاهرة.

أما إذا تبعتها إعادة بناء لمؤسسات الدولة، وإنهاء للحماية الحزبية، وإصلاح للانتخابات والتمويل السياسي والتعيينات والعقود، فقد تتحول إلى بداية إصلاح سياسي فعلي.

التقدير الأرجح في المرحلة الحالية هو أن العراق يتجه نحو إصلاح جزئي أو حملة يجري احتواؤها داخل النظام، وليس نحو تغيير بنيوي سريع. لكن اتساع التحقيقات، وارتفاع مستوى الشخصيات المستهدفة، وظهور الانقسامات داخل القوى الحاكمة، تفتح نافذة سياسية لم تكن متاحة بالوضوح نفسه في الحملات السابقة.

هذه النافذة لن تبقى مفتوحة طويلاً. فإما أن تتحول قوة الصدمة الحالية إلى قوانين ومؤسسات وقواعد جديدة، وإما أن تمتصها منظومة المحاصصة، ثم تعيد إنتاج الفساد بصورة أكثر حذراً وتعقيداً.

إن المعيار الحقيقي لنجاح الحملة لن يكون عدد الذين دخلوا السجون، ولا مقدار الذهب والأموال التي استعيدت فقط، وإنما مقدار ما تغير في بنية الدولة بعد خروج الحملة من دائرة الضوء.

فالإصلاح السياسي يبدأ حين يصبح المسؤول عاجزاً عن السرقة، لا حين يُعتقل بعد أن يسرق؛ وحين تكون الدولة أقوى من الأحزاب، والقانون أقوى من النفوذ، والمواطنة والكفاءة هما أساس تولي المسؤولية، لا المحاصصة والولاء الحزبي.

 


مشاهدات 150
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/07/19 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 6:34 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 868 الشهر 21725 الكلي 15926852
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير