الأبعاد الأيديولوجية للفن: من التشكيل التقليدي إلى الجرافيك السياسي
بغداد – علي الدليمي
عن دار الذاكرة للنشر والتوزيع، في بغداد، صدرت الطبعة الأولى، من كتاب "الأبعاد الأيديولوجية للفن: من التشكيل التقليدي إلى الجرافيك السياسي" للباحث والفنان فريد حسن صالح.
يفتتح المؤلف كتابه بمقولة للفيلسوف ألبير كامو: "عندما تصبح الأيديولوجيا مطلقة، فإنها تبرر أي جريمة في سبيل تحقيق غاياتها".
كتب الناقد والفنان علي الدليمي، المقدمة: "الكتاب، عتبة نصية بالغة الأهمية، في ولوج بوابة المشهد التشكيلي، إذ يضع القارئ وجها لوجه أمام إشكاليات مفاهيمية شائكة تتناول العلاقة العضوية بين "الجمالية" و"السلطة". يتجاوز التأسيس المفاهيمي.
في هذا العمل عادة ما يضع الفن أو يؤطر كفعل سياسي مؤثر في الحالات "الطارئة"، حيث ينجح في كسر الصورة النمطية للفن بوصفه "ترفاً جمالياً" خالصاً. من خلال ربط الفن بالمنظومات الأيديولوجية الراسخة.
ويطرح المؤلف أيضاً، رؤية مفادها أن الريشة ليست محايدة أبداً. هذا الربط يمنح البحث ثقلاً معرفياً متميزاً، حيث ينتقل من وصف الشكل الفني إلى تحليل القوى المحركة خلفه.
وتتجلى قوة العمل الفني في رصده للتسلسل التاريخي والتحول النوعي، مما رسم خارطة طريق واضحة المعالم للعمل الفني، فالفن التشكيلي التقليدي يُطرح هنا كأداة لترسيخ قيم دينية أو ملكية أو طبقية معينة.
أما فن الجرافيك السياسي، فيتم تقديمه كتحول ثوري صارم، حيث تصبح الصورة "سلاحاً" نفاذاً سريع الانتشار وموجهاً بدقة نحو الوجدان الجمعي
إذ تتسم فيه لغة الطرح والمنهجية بالرصانة الأكاديمية لكنها تظل قريبة من القارئ المثقف. وأحياناً يعتمد فنان الجرافيك منهجاً متاثراً بالواقعية الاشتراكية، حيث لا ينظر إلى اللوحة أو الملصق، ككتلة واحدة، بل كشيفرات تحتاج إلى تأويل لفهم الرسالة السياسية المبطنة".
وتُمثل القراءة الثقافية التشكيلية للكتاب مراجعة أكاديمية رصينة للاشتباك التاريخي والجمالي بين سلطة الفكرة وسحر الصورة البصرية،
وينطلق الباحث من أطروحة مركزية مفادها أن الفن لم يكن يوماً نشاطاً معزولاً عن سياقاته السياسية والاقتصادية، بل هو فضاء حيوي تتصارع فيه الأيديولوجيات وتتشكل عبره مستويات الوعي واللا وعي الجمعي.
ويبدأ الكتاب بضبط المصلحات وتأصيل مفهوم "الأدلجة" لغوياً وفلسفياً، موازناً بين جذوره العربية التي تحيل إلى السير في الظلام والبحث عن التحصن، واليونانية الدالة على منطق الأفكار، وصولاً إلى صيرورته كمفهوم سياسي واجتماعي معقد يرفد الفكر النقدي.
تتحرك الدراسة في فلك المسارات الفلسفية الكبرى، مستحضرة الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، وتحديداً أطروحات كارل ماركس الذي فكك الأيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً تفرضه الطبقة البرجوازية المهيمنة لإخفاء تناقضات علاقات الإنتاج الرأسمالية. في المقابل.
ويستعرض الباحث رؤية كارل مانهايم الذي نقل المفهوم إلى سوسيولوجيا المعرفة، مميزاً بين "الأيديولوجيا" كمبرر لتمكين السلطة القائمة و"اليوتوبيا" كخطاب تحرري يسعى لتغيير الواقع، ولا يغفل البحث المقاربة النفسية عند سيغموند فرويد الذي أرجع الأيديولوجيا إلى قوى اللاشعور والميكانيزمات الدفاعية والرغبات المكبوتة، وصولاً إلى طروحات ما بعد الحداثة وسلافوي جيجك الذي يرى الأيديولوجيا كبنية اجتماعية خفية تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية وتوجه رغبات الأفراد حتى في لحظات تمردهم.
يتخذ الكتاب من "الواقعية الاشتراكية" التي صيغت رسمياً في الاتحاد السوفيتي عام 1934 مادة تطبيقية خصبة، حيث تحول الفن من أداة تعبيرية جمالية نقدية إلى عقيدة موجهة تخدم البروليتاريا وسياسات الحزب الشيوعي.
يشرح الباحث كيف طوّع نظام جوزيف ستالين الفنون التشكيلية كقوة ناعمة لصناعة "الرجل السوفيتي الجديد" عبر أربع قواعد صارمة تفرض المحاكاة الصادقة للواقع في نموه الثوري، والابتعاد التام عن التجريد والتكعيبية، لضمان وصول الرسالة الدعائية (البروباغندا) بوضوح وسلاسة إلى أوسع جمهور كادح. ويوضح الكتاب الفروق الجوهرية بين الواقع الاجتماعي المتفائل الذي يقدم حلولاً للتناقضات وبناء مجتمع عادل، والواقع النقدي المتشائم الذي يقتصر على رصد التشوهات بلا بدائل.
تكمن القيمة الأكاديمية لهذا المنجز في رصده لآليات "الإقناع والتعزيز البصري"، إذ يبين الكتاب كيف يشتغل الفن عبر مسارين: "الاستدلال المنطقي" المرتبط بالسياق والذاكرة، و"الاستدلال غير المنطقي" القائم على إثارة العواطف والمشاعر الفورية من خلال عناصر اللون، والإيقاع، والصورة الدرامية والرمزية، وهي آليات تسهم في توجيه السلوك المعرفي وتشكيل المنظومة القيمية والاجتماعية.
إن هذا النتاج الثقافي يقدم قراءة استثنائية لثنائية السلطة والثورة، مؤكداً أن الخطاب البصري، من الجداريات الضخمة والنحت إلى الملصق والتصميم الجرافيكي، يظل السلاح النقدي والدعائي الأكثر تأثيراً في صياغة الوعي الإنساني وتوجيه مسارات التاريخ.
وفريد حسن: كاتب وباحث متخصص في الشؤون الفنية، دبلوم / معهد الفنون الجميلة ٢٠٠١، وبكالوريوس / كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد ٢٠١٢، الماجستير في التصميم الجرافيكي ٢٠٢٥، نشر عدد من البحوث الفلسفية في مجلات علمية أكاديمية، فضلاً عن نشر عدد من المقالات في عدد من الصحف العراقية، عضو نقابة الفنانين العراقيين، وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، شارك في العديد من المعارض التشكيلية في بغداد.