الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
‏هل تلاعب أحد بعدادات الدنيا؟

بواسطة azzaman

‏هل تلاعب أحد بعدادات الدنيا؟

إبراهيم المحجوب

 

‏قال لي الأخ والصديق العزيز الحاج عبد السلام الزگيف، أثناء زيارته الأخيرة لي، ومن باب الطرافة التي تخفي وراءها كثيراً من الحكمة: «يبدو أن الدنيا قد تم التلاعب بعداداتها، فتغير كل شيء؛ فلم يعد ليلنا ليلاً، ولا نهارنا نهاراً».‏توقفت عند هذه العبارة طويلاً، فقد جاءت على هيئة مزحة عابرة، لكنها حملت في طياتها وصفاً دقيقاً لما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وإنسانية متسارعة. لقد تبدلت ملامح الحياة، وتغيرت اهتمامات الناس، وأصبح إيقاع الزمن مختلفاً عما عرفناه في سنوات مضت.‏كان الليل فيما مضى موعداً للراحة والسكينة، ومجلساً للأهل والأصدقاء، تتعانق فيه الأحاديث وتزدهر فيه العلاقات الاجتماعية. أما اليوم، فقد غزتنا الشاشات الصغيرة، واستولت وسائل التواصل على كثير من أوقاتنا، حتى أصبح بعضنا يسهر حتى الفجر وينام معظم النهار، وكأن عقارب الساعة قد اختارت اتجاهاً آخر.‏وفي مدننا وقرانا، كانت المجالس العامرة بالآباء وكبار السن تمثل مدرسة يتعلم منها الأبناء معاني الكرم والاحترام وحسن الجوار. كان الرجال يجتمعون بعد صلاة المغرب لتبادل الأخبار ومناقشة شؤون الناس، بينما كانت العائلات تتزاور في المناسبات دون حاجة إلى موعد مسبق أو رسالة هاتفية.‏أما اليوم، فقد تغيرت الصورة إلى حد بعيد؛ فأصبح كثير من الناس يكتفون بعبارات التهنئة والتعزية عبر الهاتف، واختصرت اللقاءات الطويلة برسائل قصيرة وصور متبادلة. بل إن بعض الجالسين في مجلس واحد ينشغل كل منهم بهاتفه، وكأن بينهم مسافات طويلة رغم قرب المقاعد.‏ولم يقتصر التغيير على العلاقات الاجتماعية فحسب، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد كانت الأسواق الشعبية تضج بالحركة منذ ساعات الصباح الأولى، وكان الأطفال يملؤون الأزقة في القرية والمدينة  لعباً وضحكاً، أما الآن فقد استبدلت كثير من تلك المشاهد بعالم افتراضي واسع، يربط الناس ببعضهم أحياناً، ويبعدهم عن بعضهم أحياناً أخرى.‏إن التطور نعمة لا يمكن إنكارها، والتكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من حياتنا، لكنها لا ينبغي أن تكون سبباً في ابتعاد الإنسان عن محيطه الاجتماعي والإنساني. فالمجتمعات لا تُبنى بالأجهزة الحديثة وحدها، وإنما تُبنى بالمحبة والتواصل وصلة الرحم والاحترام المتبادل.‏وربما كانت كلمات الحاج عبد السلام الزگيف، التي قيلت على سبيل الدعابة، تحمل رسالة أعمق مما تبدو عليه؛ رسالة تدعونا إلى إعادة النظر في كثير من تفاصيل حياتنا، وأن نحافظ على ما تبقى من القيم الجميلة التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، قبل أن نجد أنفسنا أمام عالم تغيرت فيه كل الإعدادات بالفعل.‏ومهما تبدلت الأزمنة وتطورت الوسائل، ستبقى للمجالس الأصيلة، والزيارات العائلية، والكلمة الطيبة، مكانة لا تستطيع التكنولوجيا أن تعوضها، لأنها تمثل الجسر الحقيقي الذي يربط الإنسان بجذوره ومجتمعه وتاريخه.

 

 

 


مشاهدات 136
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/07/19 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 6:34 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 868 الشهر 21725 الكلي 15926852
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير