الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ترهّل الفساد في  مكابد الفجّار

بواسطة azzaman

ترهّل الفساد في  مكابد الفجّار

جبار فريح شريدة

 

لم يكن الفساد في العراق بعد عام 2003 مجرد انحراف إداري أو تجاوز قانوني، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى منظومة متشابكة تمد جذورها في مؤسسات الدولة، حتى غدا عبئاً ثقيلاً يرهق المواطن ويقوّض فرص التنمية والاستقرار. وما كان يُفترض أن يكون مرحلة لبناء دولة حديثة، أصبح في نظر كثيرين ساحة لصراعات المصالح، وتنافس القوى السياسية، وتنامي شبكات المحسوبية.

لقد دخل العراق مرحلة جديدة بعد عام 2003 محمّلاً بآمال واسعة في بناء نظام ديمقراطي يرسخ العدالة وسيادة القانون. غير أن هذه الآمال اصطدمت بتحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، كان أبرزها ضعف مؤسسات الدولة، وغياب الرقابة الفاعلة، وتداخل النفوذ الحزبي مع الإدارة العامة. وفي مثل هذه البيئات، يجد الفساد أرضاً خصبة للنمو والتمدد.

إن ترهّل الفساد لا يعني كثرة الفاسدين فحسب، بل يعني أيضاً اعتياد المجتمع على مظاهره، حتى تصبح الرشوة والمحسوبية والوساطة جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويشعر أن الكفاءة لا تكفي للوصول إلى الفرص، وأن الولاءات الشخصية أو الحزبية قد تتقدم على معايير النزاهة والاستحقاق.

وقد انعكست هذه الظاهرة على مختلف القطاعات، من الخدمات الأساسية إلى مشاريع البنى التحتية، مروراً بالتوظيف العام وإدارة الموارد المالية. ورغم الإيرادات النفطية الكبيرة التي حصل عليها العراق خلال سنوات طويلة، بقيت قطاعات حيوية مثل الكهرباء والصحة والتعليم والإسكان تواجه تحديات كبيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول كفاءة إدارة الموارد العامة وآليات الرقابة والمحاسبة.

ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد؛ فالفساد ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية وإدارية وثقافية. كما أن جهود مكافحته تتطلب استقلال القضاء، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية، وحماية المبلغين، وتفعيل مبدأ الشفافية، وترسيخ ثقافة المواطنة التي ترفض استغلال المنصب العام لتحقيق المصالح الخاصة.

ورغم قتامة المشهد، فإن العراق يمتلك مقومات النهوض. فوجود كفاءات علمية، وشريحة شبابية واسعة، وثروات طبيعية كبيرة، يمكن أن يشكل أساساً لإصلاح حقيقي إذا توافرت الإرادة السياسية، وطُبّقت القوانين بعدالة على الجميع دون استثناء، وأُعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن.

إن ترهّل الفساد ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة لمسارات يمكن تغييرها بالإصلاح المؤسسي، وتعزيز المساءلة، وإعلاء قيمة النزاهة فوق المصالح الضيقة. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما بالإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، وإخلاص العاملين في خدمة الصالح العام.

ويبقى العراق، رغم ما مرّ به من أزمات، قادراً على تجاوز محنه إذا تحولت مكافحة الفساد من شعار سياسي إلى مشروع وطني شامل، تشارك فيه الدولة والمجتمع معاً، من أجل بناء مستقبل يليق بتاريخ هذا البلد وإمكاناته.

 


مشاهدات 18
الكاتب جبار فريح شريدة
أضيف 2026/07/22 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/07/23 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 24611 الكلي 15929738
الوقت الآن
الخميس 2026/7/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير