الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إنجاز الموسوي والأطباء الدوريون..  خطوة نحو مؤسسةتسقط الوهم وتبقى حية

بواسطة azzaman

إنجاز الموسوي والأطباء الدوريون..  خطوة نحو مؤسسةتسقط الوهم وتبقى حية

علاء الطرفي

 

في أول اختباراته الوزارية، وقف الدكتور عبد الحسين الموسوي أمام أطباء مهددين بالإقالة، فاختار ألا يكون حاكمًا، بل وسيطًا وإنسانًا، في لحظة كانت كافية لتكشف عن انتمائه الفلسفي: هل هو رجل سلطة يبحث عن حلول سريعة تبرئ صورته، أم رجل دولة يبحث عن حلول دائمة تحفظ كرامة المؤسسة؟ كانت الأحداث عابرة، لكن السؤال الذي أثارته هو ما يشغلنا اليوم، لا تفاصيل الرواتب والعقود.

هذا المشهد المختزل يقودنا إلى سؤال أعمق: لماذا نصر على تعميم التشكيك، وكأن الفساد صفة لازمة في جينات كل من يمسك بمنصب؟ إن استسهال قوالب الاتهام الجاهزة ليس أكثر من كسل فكري يُعفي العقل من عناء التمييز. في أحد النقاشات قال لي أحد الأطباء المضربين: «أيستحق الموسوي سهام الاتهام، أم أنني أردد صدى خيباتي؟» وجدته مختلفًا في أفعاله، وهذا الاختلاف هو ما يمنحه فرصة الرقباء، لا فرصة المتملقين. لا أراه منقذًا، بل لعله تجربة جديدة.

إن عودة الأطباء المضربين إلى عملهم في المستشفيات لم تكن مجرد نهاية لأزمة، بل كانت لحظة فارقة منحتهم نصرًا مزدوجًا: أولًا، بتحقيق جزء كبير من مطالبهم، وثانيًا، باستعادة شعورهم بالمسؤولية تجاه مرضاهم، تلك الروح التي جعلتهم يرفضون أن يكونوا مجرد أرقام في معادلة بيروقراطية. كما منحت الوزير نصرًا آخر لا يقل أهمية، في مثابرته على توفير ذلك الاستحقاق، واحتواء هؤلاء الذين لم يتردد في أن يسميهم «أبنائي»، في كلمة حملت أكثر من معنى، وجعلت من الأزمة جسرًا للثقة، لا حاجزًا للخصومة.

إن الدستور السياسي الذي جاء به الإمام علي، وهو أشد الناس التصاقًا بالإسلام ورسوله، في التمييز بين رجل السلطة ورجل الدولة، هو قوله: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق

فلسفة سياسية

وهنا يتحدد الفرق الجوهري بين رجل السلطة ورجل الدولة، كما رسمته الفلسفة السياسية: الأول يبني نفسه على أنقاض الوطن، والثاني يبني الوطن على حساب نفسه. الأول يرحل فيترك مشكلة اسمها الصراع على الفراغ، والثاني يرحل فيترك حلًا اسمه المؤسسات التي تستمر. رجل السلطة يسأل: «كيف أطفئ الأزمة بسرعة لأحافظ على صورتي؟» فيلجأ إلى الترهيب أو المسكنات، أما رجل الدولة فيسأل: «كيف أعيدهم مع كرامتهم لتظل المؤسسة قائمة من بعدي؟» فيطيل الجلسات، ويحوّل الوعود إلى كتب رسمية. تحرك الموسوي، في تلك اللحظة، وفق المنطق الثاني؛ فلم يهدم ما سبقه، بل بدأ حيث انتهى الآخرون، يكمل النقص ويعالج الخلل دون أن يتعجل إعلان الانتصارات، مدركًا أن الإنجاز الحقيقي ليس في إطفاء الحرائق، بل في تأسيس أنظمة تمنع نشوبها.

لكن عندما أعيد إلى ذاكرتي كلام الطبيب المضرب، أقول: ثمّة ما هو أعمق من هذا كله. لماذا كلما حاول أحدنا الخروج من دائرة اليأس تطاولنا عليه بالنقد قبل أن يثبت نفسه؟ هذه الآلية الدفاعية اللاواعية تمنع كسر الفشل الجماعي؛ لأن نجاح الآخر يفضح تقاعسنا، ويسقط عذر «الكل سيئ». فالتمييز ليس فقط أداة لفهم الآخرين، بل لتحرير أنفسنا من هذا العفريت الداخلي؛ لأنه يعترف بأننا نخطئ بتعميماتنا، وبالتالي نملك مسؤولية التصحيح. أرى أن ثقافة التعميم ليست ناتجة عن وعي نقدي، بل عن خوف من المواجهة، وكسل فكري يختار الطريق السهل بدلًا من الطريق الصعب.

قبل أن نطلق سهام الاتهام، علينا أن نمنح الفرصة لمن يستحق، وأن نكون رقباء عادلين، لا جلاوزة يهدمون قبل أن يروا البناء. فالتشجيع ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو اعتراف بجهود تُبذل في صمت، وتضحيات تكلّف الأرواح أحيانًا. وكما أننا سريعي النقد، علينا أن نكون سريعي الاعتراف بالجميل؛ لأن دعم كوادرنا الصحية هو دعم لحياتنا جميعًا.

إذا بقينا نعمم القول بأن كل السياسيين سواء، فسنفقد القدرة على رؤية الأمل حين يأتينا من أحد أبنائنا. إن التمييز اليوم هو مسؤوليتنا، نحن الجمهور الواعي، لا مسؤولية السياسي وحده. فالفرق بين رجل السلطة ورجل الدولة هو الفرق بين من يسأل: «كيف أبقى؟» ومن يسأل: «كيف تبقى الدولة؟» والموسوي، بما قدمه في أيامه الأولى، أشار إلى أنه يفهم الثانية، لكن الطريق طويل، والاختبار حقيقي.

 


مشاهدات 58
الكاتب علاء الطرفي
أضيف 2026/07/11 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 4:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 268 الشهر 10915 الكلي 15916042
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير