الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هذا عَلِيّ .. فأين انتم من عَلِيّ ؟

بواسطة azzaman

هذا عَلِيّ .. فأين انتم من عَلِيّ ؟

عبدالقادر حداد

 

حين نتأمل تراث الإمام علي بن أبي طالب في الحكم والإدارة، نجد أنفسنا أمام رؤية مختلفة جذرياً عن تلك التي سادت في كثير من العصور، بل وعن كثير مما نراه في واقعنا المعاصر. فالسلطة في نظره لم تكن باباً للثراء، ولا وسيلة للانتقام من الخصوم، ولا سلماً للمجد الشخصي، وإنما مسؤولية ثقيلة لا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تحققه من عدل وما ترفعه من ظلم.

 

ولعل أبلغ ما يختصر هذه الرؤية قوله مخاطباً أحد ولاته: «فلا يكن حظك في ولايتك مالاً تستفيده، ولا غيظاً تشفيه، ولكن إماتة باطل وإحياء حق». ففي كلمات قليلة يرسم الإمام علي الحدود الفاصلة بين الدولة التي تُدار لخدمة الحاكم، والدولة التي تُدار لخدمة الحق. فالمنصب ليس غنيمة، والمال العام ليس مكافأة للمتنفذين، والسلطة ليست فرصة لتصفية الحسابات، بل أداة لإقامة العدل وصيانة مصالح الناس.

 

هذه الفلسفة لم تكن مجرد شعارات يرددها الإمام، بل كانت منهجاً عملياً التزم به في حياته السياسية. فقد نقل عنه قوله المشهور لابن عباس وهو يخصف نعله: «والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً». وهنا يبلغ الزهد في السلطة ذروته؛ إذ تصبح الإمارة نفسها أقل قيمة من نعلٍ بالٍ ما لم تكن وسيلة لتحقيق العدالة. فالحكم لا يكتسب شرعيته من القوة ولا من المظاهر، وإنما من قدرته على حماية الحقوق ومواجهة الباطل.

 

ومن هذا المنطلق جاء عهده الشهير إلى مالك الأشتر، الذي يعد من أرقى النصوص السياسية في التراث الإسلامي. ففيه يوصيه بأن يجعل الرحمة أساس العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأن يتعامل مع الناس بوصفهم بشراً لهم كرامتهم وحقوقهم، قائلاً: «فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». إنها رؤية تتجاوز الانتماءات الضيقة لتؤسس لمفهوم المواطنة الإنسانية قبل أن يصبح هذا المصطلح متداولاً في الفكر السياسي الحديث.

 

ولم يكن الإمام علي يرى أن نجاح الدولة يقاس بقوة أجهزتها أو حجم خزائنها فحسب، بل بمدى حضور العدالة فيها. لذلك أكد أن «أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد»، لأن العدل هو الذي يصنع الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو الذي يحول السلطة من عبء على الناس إلى مظلة تحميهم. أما الظلم، مهما بدا قوياً في لحظته، فإنه يحمل في داخله بذور انهياره.

 

وفي مواجهة الفساد الإداري والمالي كان موقفه شديد الوضوح. فقد كان ينظر إلى المال العام بوصفه حقاً للأمة لا يجوز العبث به أو التمييز في توزيعه. ولذلك حارب المحاباة والامتيازات الخاصة، ورفض أن يتحول النفوذ السياسي إلى وسيلة للثراء الشخصي. فالوالي في فكره خادم للمصلحة العامة لا مالك لها، وأمين على الأموال لا صاحب حق فيها.

 

إن المتأمل في كلمات الإمام علي يكتشف أن مشكلته الأساسية لم تكن مع الأشخاص بقدر ما كانت مع تحويل الدولة إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة. ولهذا كان يكرر أن الغاية من الحكم هي «إقامة الحق ودفع الباطل»، لأن كل انحراف يبدأ عندما تصبح الدولة ملكاً لفئة أو حزب أو جماعة بدلاً من أن تكون ملكاً لجميع المواطنين.

 

لقد أراد الإمام علي أن يكون الحاكم حارساً للعدل لا مالكاً للدولة، وأن تكون السلطة وسيلة لإحياء الحق لا طريقاً لجمع الثروة أو إشباع الأحقاد. ومن هنا بقيت كلماته تتجاوز حدود زمانها، لأنها لم تتحدث عن شكل الحكم فحسب، بل عن جوهره: أن قيمة السلطة لا تكمن فيما تمنحه للحاكم، بل فيما تمنحه للناس من عدالة وكرامة وأمان .

 

 


مشاهدات 53
الكاتب عبدالقادر حداد
أضيف 2026/06/23 - 3:43 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 3:22 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 211 الشهر 22881 الكلي 15898362
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير