الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من ديموزي إلى كربلاء..  تراجيديا مواكب الآلام في عمق المسيحية لدى طوائف اوربا وامريكا اللاتينية


من ديموزي إلى كربلاء..  تراجيديا مواكب الآلام في عمق المسيحية لدى طوائف اوربا وامريكا اللاتينية

أسامة عبد الأمير البدران

 

هناك لحظات في تاريخ الإنسان لا تُقرأ بوصفها أحداثًا، بل بوصفها ندوبًا مفتوحة في الوعي الجمعي، لا تندمل مهما تغيّرت الأزمنة واللغات والديانات. فالتاريخ، في عمقه الأبعد، لا يسير فقط كوقائع سياسية أو تحولات اجتماعية، بل كذاكرة شعورية كبرى تُعيد إنتاج نفسها عبر الطقوس، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يتصالح مع الفقد إلا إذا حوّله إلى مشهد، ومع الألم إلا إذا صاغه في هيئة جماعة.

في هذا السياق، تبدو الطقوس الدينية الكبرى، في الشرق والغرب، وفي العراق وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ليست مجرد شعائر منفصلة، بل أشكالًا متعددة لنبض إنساني واحد، يتكرر بصور مختلفة، لكنه يحتفظ بجوهره العميق: تحويل المأساة إلى ذاكرة قابلة للعيش.

في العراق، حيث تتراكب طبقات التاريخ كما تتراكم طبقات الطين على ضفاف دجلة والفرات، نجد واحدة من أقدم الصيغ التي عبّرت عن هذا الحس التراجيدي في أساطير ديموزي/تموز، ذلك الإله الذي لم يكن مجرد رمز ديني، بل علامة مبكرة على وعي الإنسان القديم بفكرة الغياب والعودة، بالموت الذي لا يُنهى بل يُعاد تمثيله في دورة طبيعية وروحية. في مراثي تموز السومرية، لا يبدو الحزن فعلًا فرديًا، بل طقسًا جماعيًا، نساءً وأصواتًا وأناشيد تُحوّل الفقد إلى نظام شعائري، وكأن المجتمع كله يتعلم كيف يحزن بطريقة منظمة تمنع انهيار المعنى.

ومع تعاقب الحضارات على هذه الأرض، لم ينقطع هذا النهر الرمزي للحزن، بل تبدلت ملامحه وتغيرت أسماؤه. ففي المشرق المسيحي القديم، تشكلت طقوس أسبوع الآلام بوصفها استعادة جماعية لمأساة الصلب، حيث تتحول المدن إلى فضاءات حداد مفتوح، وتمشي التماثيل كما لو أنها أجساد مثقلة بالتاريخ، وتنساب التراتيل كأنها محاولة لإبقاء الألم حاضرًا لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه حضورًا متجددًا في الوعي الجمعي.

ثم جاء الإسلام، وفي قلب العراق تحديدًا، لتتخذ التراجيديا شكلاً جديدًا في واقعة كربلاء، حيث لم تعد المأساة مجرد سردية تاريخية، بل صارت بنية شعورية تُعاد صياغتها كل عام. في مواكب عاشوراء، وفي اللطم والمراثي والتمثيل الرمزي، لا يُستعاد الماضي بوصفه ماضيًا، بل يُستدعى بوصفه لحظة حية، كأن الزمن هناك لا يتقدم بل يدور حول مركز من الألم لا ينطفئ، بل يتجدد في كل سرد وفي كل دمعة.

وحين ننظر إلى المشهد الأوسع، نجد أن أوروبا بدورها أنتجت شكلها الخاص من هذا الوعي التراجيدي في مواكب الآلام المسيحية، من إشبيلية إلى براغا، ومن إيطاليا إلى المكسيك، حيث تتحول الشوارع إلى مسارح مفتوحة للحزن، وتصبح الجماهير جزءًا من إعادة إنتاج المأساة، لا متفرجين عليها. هناك، كما في كربلاء، لا يُعامل الألم كحادث تاريخي انتهى، بل كحالة وجودية تعاد صياغتها في كل عام، وكأن الإنسان يصر على أن لا يسمح للمأساة أن تُغلق ملفها النهائي.

إن ما يجمع بين هذه التجارب، على اختلاف عقائدها وسياقاتها، ليس التشابه الشكلي فقط، بل البنية العميقة لفعل التذكر ذاته. فالإنسان، في كل هذه الحالات، يبدو وكأنه يرفض أن يترك الفقد يسقط في العدم، فيعيد تشكيله في طقس، في موكب، في جسد جماعي يتحرك داخل ذاكرته الخاصة. هنا لا يعود الدين مجرد منظومة اعتقاد، بل يتحول إلى لغة وجودية لإدارة الألم، وإلى طريقة للبقاء داخل تاريخ مثقل بالمآسي.

ومع ذلك، فإن قراءة هذه الظواهر لم تسلم دائمًا من التبسيط أو الاختزال، إذ كثيرًا ما جرى التعامل معها من خلال مقارنات سطحية أو اتهامات ثقافية أو عرقية، في حين أن جوهرها لا يتعلق بالانتماء الجغرافي أو العرقي، بل بالبنية الإنسانية المشتركة التي تنتج هذه الطقوس أينما وُجدت شروطها التاريخية. فربط الشعائر الحسينية بأصول خارج سياقها التاريخي المباشر يتجاهل حقيقة أنها تشكلت وتطورت داخل العراق أولًا، ثم انتشرت وتفاعلت مع محيطها، كما فعلت طقوس أخرى في التاريخ الإنساني.

وفي المقابل، فإن الطقوس المسيحية في أوروبا وأمريكا اللاتينية لم تُقرأ في الغالب بوصفها بقايا بدائية أو مظاهر تخلف، بل بوصفها تراثًا ثقافيًا وإنسانيًا يعبر عن هوية جماعية عميقة، وهو ما يكشف عن تفاوت واضح في طريقة استقبال الظاهرة ذاتها حين تتغير جغرافيتها لا طبيعتها.

إن هذه المفارقة لا تُطرح هنا بوصفها إدانة، بل بوصفها سؤالًا حول كيفية النظر إلى الطقس ذاته: هل نراه كتراث إنساني يعبر عن حاجة داخلية إلى تذكّر الألم؟ أم نختزله في هويات ضيقة وتفسيرات جاهزة تفقده عمقه الرمزي؟

في النهاية، لا يبدو التاريخ الإنساني إلا سلسلة طويلة من محاولات الإنسان لترويض الفقد، لا بإلغائه، بل بإعادة تمثيله. من ديموزي إلى كربلاء، ومن مواكب المسيح إلى طقوس الشعوب في أقاصي الأرض، يبقى الحزن هو اللغة الأولى التي يتعلمها الإنسان حين يدرك أن الذاكرة لا تعيش إلا إذا صارت طقسًا، وأن الألم لا يختفي إلا إذا صار جماعة تمشي به، وتعيد قوله، وتمنحه شكلًا جديدًا كي لا يتحول إلى صمت نهائي.

إنها ليست مقارنة بين أديان، بل تأمل في الإنسان حين يواجه حدوده القصوى، ويحوّل هشاشته إلى طقس، ودموعه إلى تاريخ، ومأساته إلى معنى لا يموت.


مشاهدات 67
الكاتب أسامة عبد الأمير البدران
أضيف 2026/06/23 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 172 الشهر 22842 الكلي 15898323
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير