الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السرد الأدبي.. جدلية الحنين الى الماضي والتطلع المتفائل للمستقبل 


السرد الأدبي.. جدلية الحنين الى الماضي والتطلع المتفائل للمستقبل 

نايف عبوش

 

 لاشك ان السرد الأدبي يعد من أبرز أجناس التعبير ،التي تمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل تجربته الحياتية، في قالب فني ابداعي ،يجمع بين الواقع، والخيال، وبين الذاكرة والحلم. فالسرد ليس مجرد حكاية للأحداث ،أو تسجيل للوقائع، وانما هو فعل وجداني ابداعي ،يعيد ترتيب الزمن، ليمنح التفاصيل العابرة، معنى أعمق، ويجعلها أكثر قدرة على ملامسة وجدان الإنسان.

وغالباً ما يجد الكاتب نفسه أسير الذكريات، وهو ينسج خيوط سرده،فالذاكرة تمثل سجل تجارب الإنسان، بكل ما تحمله في طياتها من أفراح،وآلام، وانتصارات، وانكسارات، وصور لأشخاص، وأماكن، وأحداث مضت،وتركت أثرها في النفس. وهكذا نجد ان الكثير من الأعمال السردية تنطلق من استحضار الماضي، واستعادة لحظاته المؤثرة، ليس بقصد اجترارها الآلي، وإنما لاستكشاف  دلالاتها الإنسانية العميقة.

غير أن السرد الأدبي مهما كان تأثيره قوياً لا يتوقف عند حدود الذاكرة، ولا يبقى حبيس الماضي، لاسيما وأن استعادة الذكريات، ليست غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة التواصل مع الماضي ،لفهم الحاضر،واستشراف المستقبل

ومن هنا تنشأ العلاقة الجدلية بين الذكريات الٱسرة، والتطلع المتفائل، إذ تتحول التجارب الماضية، عندئذ، إلى خلفية زاخرة بالخبرة ،ينطلق منها الوعي نحو آفاق أكثر رحابة.

فالذكريات المؤلمة، على سبيل المثال، قد تبدو في ظاهرها عبئاً نفسياً ،يثقل الروح، لكنها في العمل السردي ،تتحول إلى طاقة دافعة للكشف، والتأمل، والتجاوز.في حين أن الذكريات الجميلة، تمنح النص دفئه الإنساني، وتغذي فيه مشاعر الأمل، والحنين والانتماء. وفي كلتا الحالتين ، يصبح الماضي مادة فنية يعاد تشكيلها ،بما يتناغم ورؤية الكاتب للحياة، والإنسان.

ومن جهة أخرى، فإن التطلع المتفائل، في السرد الادبي ،يمنح النص، حيويته، وقدرته على تجاوز الإحباط، والانغلاق، فالأدب، في جوهره، ليس مرآة للواقع، فحسب،وانما هو نافذة مفتوحة الٱفاق على الممكن، والمأمول، ولذلك فإن السرد حتى عندما يصور المآسي، والخيبات، فإنه يترك للقارئ مساحة من الضوء، تمنحه القدرة على التطلع ،والنهوض من عثراته،ومغادرة اوجاعه.

ولعل أجمل ما في السرد الأدبي أنه يجسد الوفاء للذاكرة، والانفتاح على الأمل، فهو لا يتنكر للماضي، ولايستسلم له، وانما يجعله جسراً نحو المستقبل. وهكذا تتحول الكتابة السردية، إلى رحلة إنسانية ماتعة، تجمع بين التأمل في ما كان، والتطلع إلى ما يمكن أن يكون، لتظل الكلمة المبدعة، عندئذ، قادرة على تحرير وجدان الإنسان من أسر الذكريات، دون أن تقطع صلته بها، ومن ثم دفعه نحو آفاق أكثر إشراقاً، وتفاؤلاً.

وهكذا نجد ان السرد الأدبي هو ذلك الفضاء الرحب، الذي تتعانق فيه الذاكرة، مع الحلم، ويتفاعل فيه الحنين، مع التطلع،طالما أن الإنسان بطبيعته،لايعيش بالماضي وحده، ولا بالمستقبل وحده، وإنما بالتفاعل الخلاق بينهما.

 


مشاهدات 57
أضيف 2026/06/22 - 4:09 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 5:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 233 الشهر 21911 الكلي 15897392
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير