ذكريات الماضي القريب.. الإذاعة والتلفزيون ليلة الثاني من آب 1990
وفاء داود الصفار
أتاح لي عملي الطويل في دائرة الإذاعة والتلفزيون منذ نهاية عام 1968 لغاية التاسع من نيسان سنة 2003 الاطلاع على الكثير من الأمور المخفية التي لم تعلن للراي العام كون العاملين في هذا الجهاز اول من يعلم بالاحداث وتطوراتها وما يجري إعلانه او اخفاؤه.
وبعد ان توليت مسؤولية إدارة الاخبار والبرامج السياسية في الأول من آب عام 1990 بتكليف من الصديق العزيز الأستاذ سعد البزاز المدير العام للإذاعة والتلفزيون في ذلك الوقت أصبحت اكثر قربا من مركز صنع القرار الإعلامي سواء على مستوى الوزارة او الادارة العامة بقدر تعلق الامر بالدائرة ..
وطيلة تلك السنين كنت التزم الصمت إزاء ما ينشره بعض الاشخاص عن احداث تلك الفترة وقسم كبير منه بعيد عن الواقع الذي عايشته شخصيا غير مدركين ان الكثير من الشهود ولله الحمد ما زالوا احياء وان الأمانة التأريخية مسؤولية أخلاقية ..
وكان آخر ما يتعلق بهذه الاحداث الزلزال الكبير باجتياح القوات العراقية أراضي دولة الكويت التي مرت ذكراها المؤلمة بداية هذا الشهر وما اعقب ذلك من تداعيات القت بظلالها على العراق والمنطقة ومن اشدها الحصار الظالم الذي كان ضحيته بالدرجة الأساس الفئات الفقيرة من الشعب العراقي وفي مقدمتهم فئة الموظفين الصغار ...
وبعد مرور هذه السنوات الطويلة وما يتم نشره وجدت نفسي مضطرا لبيان احداث الليلة التي سبقت الاجتياح العراقي ...
ففي ظهر الأول من آب طلب مني المدير العام للإذاعة والتلفزيون الحضور فورا الى قسم السواق المجاور لفندق المنصور ميليا حيث حضر هو أيضا ومعه قائمة بهواتف منازل مصوري « صور من المعركة « حيث كان ذلك اليوم عطلة رسمية لمصادفته العاشر من محرم وهناك شاهدت سيارة كوستر عسكرية تبين بعد ذلك انها تابعة لهيئة التصنيع العسكري « وليس لوزارة الدفاع « وبعد قليل بدأ عدد محدود من المصورين بالحضور ومنهم استفسرنا عن هواتف الاخرين وبدأنا الاتصال بهم على ان يبلغوا عوائلهم بوجود واجب خارج بغداد يستغرق عدة أيام ..
تصنيع عسكري
وبعد اكتمال العدد انطلقت سيارة التصنيع العسكري الى جهة لا اعلمها حيث سبقتها بيومين سيارة أخرى تقل المرحوم صباح الربيعي رئيس قسم التنسيق التلفزيوني على راس عدد من المذيعين والفنيين من دون معرفة الوجهة التي ذهبوا اليها وتبين بعد عودتهم من الواجب انها معسكر الشعيبة في محافظة البصرة حيث رافقوا قوات الحرس الجمهوري عند دخولها الكويت وتشغيل محطة التلفزيون والإذاعة في حين تولى مصورو برنامج صور من المعركة تصوير عملية الاجتياح.
وبعد انتهاء عملي في الساعة العاشرة ليلا المذكور دعاني مدير مكتب المدير العام الشهيد زامل غنام الى الحضور فوجدت هناك الصديق والزميل العزيز المذيع المرحوم مقداد مراد وبعد قليل حضر مدير تلفزيون العراق جبار يوسف» عافاه الله وشافاه « حيث تناولنا العشاء مع الأستاذ سعد الذي طلب منا عدم المغادرة حسب تعليمات وزير الاعلام ..
وفي الساعة الثانية الا ربع بعد منتصف الليل ورد خبر من رئاسة الجمهورية حول فشل لقاء جدة بين نائب الرئيس عزة إبراهيم وولي العهد الكويتي سعد العبد الله السالم وقد صحبنا الأستاذ سعد لاذاعته عبر إذاعة بغداد في الساعة الثانية الا خمس دقائق وبصوت المذيع المرحوم مقداد مراد حصرا وبعد اذاعة الخبر تبسم الأستاذ سعد بعد ان ادرك استغرابي من رمي الخبر في سلة المهملات قائلا « هذا الخبر يذاع لمرة واحدة فقط وفي هذا التوقيت « حيث تبين بعد انتهاء الاحداث انه كان إشارة الى قائد قوات الحرس الجمهوري بالتوجه نحو اراضي دولة الكويت ...
وقبل الساعة الرابعة فجرا وبينما كنا نتداول الاحاديث انا ومدير التلفزيون جبار يوسف والمرحوم مقداد مراد حول ما يمكن ان تؤول اليه الاحداث بعد إذاعة هذا الخبر حضر المرحوم لطيف الدليمي وزير الثقافة والاعلام ومعه نص البيان المنسوب الى حكومة الكويت الحرة المؤقتة وتوليها المسؤولية وطلبها العون من القوات العراقية لحماية البلاد في حين كانت إذاعة الكويت توجه النداءات بطلب النجدة بعد اجتياح الدبابات العراقية الأراضي الكويتية وكان المذيع يردد عبارة « اليوم يومكم يا عرب لنجدة الكويت « وبعد اكثر من ساعة خمد صوت الإذاعة .
مواد البث
وتقرر بعد إذاعة البيان افتتاح برامج التلفزيون في الساعة التاسعة صباحا حيث كان مدير التلفزيون جبار يوسف يدير الأمور ويشرف على مواد البث من خلال وجوده في مكتب المرحوم صباح الربيعي الواقع داخل ستوديو البث و اوعز بالاتصال بكوادر التلفزيون لابلاغهم بالحضور فورا لكون ان قرار افتتاح برامج التلفزيون في الساعة التاسعة صباحا كان غير متوقعا ..
وقمت من جهتي بتهيئة كوادر المذيعين والتحرير بعد الاتصال بهم هاتفيا في منازلهم وبدأت عملية تغطية واسعة للاحداث المتسارعة صبيحة ذلك اليوم والأيام التي تلته ..
ومن طريف ما يذكر في هذا المجال وفي زحمة العمل وتوالي صدور البيانات والتصريحات بشكل عاجل اتصل بي هاتفيا شخص لم يفصح عن اسمه ليبلغني بان البيانات التي تذاع باسم حكومة الكويت الحرة المؤقتة مذيلة بتاريخ الثاني من آب والكويتيون يسمون شهر آب باسم أغسطس واتصلت فورا بالاستاذ سعد لابلاغه بهذه الملاحظة الذي ابلغ بدوره وزير الاعلام حيث جرى على الفور تصحيح جميع البيانات المذاعة ..
كما ان خبر اجتياح قوات الحرس الجمهوري لاراضي دولة الكويت اعاد بذاكرتي الى يوم الثاني عشر من شهر تموز أي قبل تسعة عشر يوما من وقوع الحدث عندما ورد تصريح الناطق باسم وزارة الخارجية العراقية وذكر فيه ان « دولة الامارات والكويت « تقومان بزيادة ضخ النفط خلافا لقرار منظمة أوبك مما الحق اضرارا فادحة بالاقتصاد العراقي وقبل قيام المذيع سعد رشيد باذاعة التصريح وضع كلمة دولة قبل اسم الكويت على اعتبار ان هذه الكلمة سبقت اسم الامارات فيجب ان تسبق أيضا اسم الكويت وبعد إذاعة التصريح قامت الدنيا على رأس المذيع سعد رشيد بسبب هذا التصرف واستغربنا في حينه الضجة الواسعة والكبيرة حول هذا الخطأ غير المقصود وجرت إذاعة تصريح الخارجيةعدة مرات طيلة اليوم المذكور من دون ان تشعر السفارات والملحقيات الصحفية العاملة في بغداد بالتغيير الذي طرا على التصريح لكن في فجر الثاني من آب عرفنا سبب الضجة التي ثارت حول تصرف المذيع سعد رشيد ..