فاتح عبد السلام
لا أحد يتوقف عند سؤال، لماذا اغلب عواصمنا ومدننا الكبرى مزدحمة، والجميع يشكو من معاناة الازدحام؟
أسباب ذلك الغياب في الإجابة، ترجع الى انه ليست هناك جهة مسؤولة عن تحديد الحد الأقصى للسكن في العاصمة، وليست هناك جهة تستطيع أن تقول انه لا يجوز ان يكون عدد السيارات بهذا الشكل المتفاقم، كما لا توجد معلومات واضحة عن خطط التوسع في بناء الاحياء الجديدة في العواصم من دون أن تواكبها قدرة على تقديم الخدمات الأساسية.
في الأساس، نعم توجد مخططات أساسية للمدن الكبرى، لكن ذلك كان امرا نظريا على الورق قبل خمسين او أربعين سنة ولم تجر مراجعات حقيقية لتقنين الزيادة الفارطة او منعها قبل ان تقع في الأصل.
الانفتاح على استيراد السيارات وبيعها بات خارج أي تقدير لاستيعاب الشوارع والجسور، بل خارج استيعاب دوائر السير والمرور.
هناك أموال متاحة في تجارة السيارات لم تكن على هذا السعة والسهولة في يوم من الأيام.
نعلم ان العراق بعد ان خرج من الحصار، فتح الباب واسعا لتعويض الناس عن ذلك الكبت، لكن بعد ثلاثة وعشرين عاما، لابد من مراجعة جدية. ما معنى ان يمتلك الفرد الواحد خمس او سبع سيارات، حتى لو كان مصدر أموال الشراء شرعيا؟
هناك مصالح عامة للبلد يجب ان يدخل تصرف الانسان في حساباتها. هل سيكون للفرد سيارتان او ثلاث لو كانت هناك ضريبة على امتلاك السيارة الإضافية خارج الاستخدام الشخصي؟
رأيناهم هنا وهناك يهتمون بحقوق الزوجة الأولى ويقيدون زواج الرجل من ثانية، وبإمكانهم ان يعاملوا ملكية السيارة الثانية او الثالثة في نفس المعيار والاستثناء له سبب وثمن.
في معظم عواصم العالم الكبيرة، ومنها لندن، لا يجوز ان يدخل المواطن بسيارته الى أماكن وشوارع معينة قريبة من المركز وما حوله في ساعات محددة تبدأ في السابعة صباحاً وتنتهي في السابعة مساءا، ومَن يريد الدخول لقضاء اشغال ضرورية يدفع رسماً مالياً فورياً، وإذا تخلف عن الدفع حتى المساء او اليوم التالي تقع الغرامة ومضاعفاتها عليه.
هناك سلطات تفكر ليس بالازدحام كتلوث بيئي وصحي وسمعي وبصري فحسب، وانما التفكير يضع وقت المواطن في المقام الأول، فالازدحام هو قتل للزمن، وهذا ينعكس على الاشغال اليومية وقيمتها. كما ان التفكير بهدر الطاقة يبدأ من الشارع والمركبة والوقت الضائع.
حكوماتنا تفكيرها سياسي وأمني دائما، ووزراء التخطيط الذين مروا بالعراق في العقدين الأخيرين، إما كانوا مقيدين سياسيا في الحركة، او جهلة لا يعون عظم مسؤوليتهم التي لم يقدروها حق قدرها.