الخدمة العامة وسوق الصفقات
مجيد الكفائي
في خضم التحولات السياسية التي تشهدها البلاد تتجدد آمال المواطنين بتشكيل حكومة قادرة على معالجة الأزمات المتراكمة وتقديم الخدمات الأساسية التي طال انتظارها .
إلا أن هذه الآمال سرعان ما تتلاشى أمام واقع مقلق يتمثل في انتشار الحديث عن بيع المناصب الحكومية وتحويلها إلى صفقات تجارية وكأنها أسهم تُتداول في سوق مفتوح .
هذا المشهد لايعكس فقط خللًا إداريًا بل يكشف عن أزمة عميقة في بنية الحكم وآليات اختيار القيادات .
وهكذا تتحول الدولة من كيان يفترض أن يقوم على خدمة المواطن وتحقيق العدالة إلى سوق مفتوح للمصالح الضيقة حيث تُباع المسؤوليات كما تُباع السلع ويُختزل مفهوم الحكم إلى صفقات خلف الأبواب المغلقة .
في هذا الواقع يصبح المنصب وسيلة للاستثمار الشخصي لا أداة للإصلاح وتُختطف مؤسسات الدولة من دورها الحقيقي لتُسخر لخدمة من دفع أكثر .
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط الفساد المالي بل تدمير الثقة بين المواطن والدولة .
فحين يرى المواطن أن المناصب تُشترى وأن الكفاءة والنزاهة ليست معيارًا يفقد الأمل بأي تغيير حقيقي .
ويتحول الإحباط إلى حالة عامة تنعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي وتُعمّق الفجوة بين الطبقة الحاكمة وبقية الشعب ليبقى البلد عالقًا في دائرة من التراجع .
وما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب آليات فعالة للمحاسبة .
فالمسؤول الذي دفع المال للوصول إلى منصبه غالبًا ما يكون محميًا بشبكة من المصالح والتحالفات مما يجعل مساءلته أمرًا بالغ الصعوبة .
وهكذا تتكرر الأخطاء وتُهدر الموارد وتُدفن فرص الإصلاح تحت ركام الصفقات .
إن الخروج من هذا النفق يتطلب إرادة حقيقية للتغيير تبدأ بإعادة تعريف المنصب العام بوصفه مسؤولية لا امتياز وخدمة لا تجارة .
كما يستلزم تعزيز دور المؤسسات الرقابية وتفعيل القوانين التي تضمن الشفافية والمساءلة إلى جانب دور المجتمع في رفض هذا الواقع وعدم القبول به كأمر طبيعي .
فالدول لا تُبنى بالمساومات بل بالكفاءة والنزاهة والإخلاص .
وإذا لم تُكسر هذه الحلقة فسيبقى المستقبل مرهونًا بماضٍ يعيد إنتاج نفسه وسيظل المواطن يدفع ثمن صفقات لم يكن يومًا طرفًا فيها .