كأس العالم بين شغف الكرة وظلال السياسة
محمد خضير الانباري
منذُ انطلاقِ بطولةِ كأسِ العالم، ارتبطتْ هذهِ المنافسةُ العالميةُ بقيمِ التنافسِ الشريفِ والتقاربِ بينَ الشعوبِ واحترامِ التنوعِ الثقافي، حيثُ كانَ الهدفَ منها أنْ تكونَ مساحةْ تجمعِ الأممِ تحتَ مظلةِ الرياضةِ بعيدا عنْ الخلافاتِ السياسيةِ والصراعاتِ الدولية.
أثارتْ بطولةَ كأسِ العالمِ 2026 جدلاً واسعا، بسببِ سلسلةٍ منْ القضايا التي دفعتْ كثيرا إلى التساؤلِ عما إذا كانتْ كرةْ القدمِ ما زالتْ محورَ الحدثِ أمْ أنَ الاعتباراتِ السياسيةَ والإداريةَ أصبحتْ أكثرَ حضورا وتأثيرا، ومنْ أبرزِ القضايا التي أثيرتْ خلالَ البطولةِ ما يتعلقُ بالصعوباتِ التي واجهتها بعضُ المنتخباتِ والجماهيرِ في إجراءاتِ السفرِ والتأشيراتِ والدخول، ومنها المنتخب الإيرانيّ الذي تحدثتْ تقاريرُ إعلاميةٌ عنْ تعرضِ بعثتهِ وجماهيرهِ لقيودٍ وإجراءاتٍ استثنائية.
تداولتْ وسائلُ الإعلامِ أخبارا عنْ تعرضِ عددٍ منْ الرياضيينَ والمسؤولينَ لإجراءاتِ تدقيقٍ وتفتيشٍ مطولةً في المطارات، وكانَ منْ بينِ الأسماءِ التي أثيرتْ في هذا السياقِ نجمَ المنتخبِ العراقيَ أيمنَ حسين، الأمر الذي أثارَ تساؤلاتٍ حولَ مدى انسجامِ هذهِ الإجراءاتِ معَ طبيعةِ الحدثِ الرياضيِ العالميِ الذي يفترضُ أنْ يوفرَ بيئةً مريحةً وعادلةً لجميعِ المشاركين، وكذلكَ واجهَ بعضُ اللاعبينَ والوفودِ الإعلاميةِ تأخيراتٍ مرتبطةً بالتأشيراتِ وإجراءات الدخول، ما أثرَ على التحاقهمْ بمنتخباتهمْ ومعسكراتهمْ التحضيرية.
امتدتْ الانتقادات؛ لتشملَ قضايا أخرى تتعلقُ بالتحكيمِ والتنظيمِ والأمن، حيثُ أثيرتْ تساؤلاتٌ حولَ مشاركةِ بعضِ الحكام، ومنْ بينهمْ الحكم الصوماليّ عمر أسرتان، وما إذا كانتْ الاعتباراتُ غيرَ الرياضيةِ تؤثرُ في فرصِ المشاركة، كما شهدتْ البطولةُ جدلاً أمنيا بعدَ تداولِ أخبارٍ عنْ تعرضِ بعضِ المشاركينَ لسرقةِ مقتنياتٍ شخصية، الأمر الذي أثارَ مخاوفَ بشأنِ الجوانبِ التنظيميةِ والأمنيةِ المصاحبةِ للحدث.
أما الجماهير، التي تشكلُ العنصرَ الأهمَ في أيِ بطولةٍ عالمية، فقدْ واجهَ بعضُ أفرادها تحدياتٍ حالتْ دونَ حضورِ المبارياتِ رغمَ إنفاقهمْ مبالغ كبيرة على السفرِ والإقامةِ والتذاكر، ورغمَ أنَ المشكلاتِ التنظيميةَ قدْ تحدثُ في أيِ بطولةٍ كبرى، فإنَ تكرارها وتراكمها خلالَ الكأسِ العالم خلقَ انطباعا لدى كثيرٍ منْ المتابعينَ بأنَ السياسةَ والإجراءاتِ البيروقراطيةَ أصبحتْ تؤثرُ في أجواءِ البطولة، وهوَ ما يتعارضُ معَ الرسالةِ الأساسيةِ التي قامتْ عليها كأس العالم.
منْ هنا تبرزُ أهميةُ دورِ الاتحادِ الدوليِ لكرةِ القدمِ ممثلاً بـــــ (الفيفا) في مراجعةِ الملحوظاتِ والانتقاداتِ التي رافقتْ البطولة، والعملَ على ضمانِ تكافؤِ الفرصِ بينَ جميعِ المنتخباتِ والحكامِ والجماهيرِ بعيدا عنْ أيِ اعتباراتٍ خارجَ الإطارِ الرياضي.
يجبُ أنْ يبقى المونديال مناسبة عالمية تعززُ قيم التعايشِ والاحترامِ والتنافسِ العادل، وأنْ تظلَ كرةُ القدمِ هيَ البطلَ الحقيقيَ للحدث. فالجماهيرُ تنتظرُ مشاهدةَ المهاراتِ والأهدافِ واللحظاتِ الرياضيةِ المميزة، لا متابعةَ أخبارِ التأشيراتِ والإجراءاتِ الأمنيةِ والخلافاتِ السياسية، ويبقى الأملُ أنْ تستفيدَ الجهاتُ المنظمةُ منْ هذهِ التجربةِ لتعودِ كأسِ العالمِ مستقبلاً إلى رسالتها الأصليةِ بوصفها بطولةً توحدُ الشعوب تحتَ رايةِ الرياضةِ والسلام.