الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الهروب من الواقع إلى الفضاء الافتراضي.. كيف تحولنا الخوارزميات إلى اللهاث وراء السراب

بواسطة azzaman

الهروب من الواقع إلى الفضاء الافتراضي.. كيف تحولنا الخوارزميات إلى اللهاث وراء السراب

علاء الطرفي

 

هل تذكر آخر مرة فتحت فيها «تيك توك» بقصد خمس دقائق فقط؟ ثم رفعت رأسك بعد ساعات، ولا تدري أين ذهب وقتك؟ ذلك الفراغ الغريب بعد التمرير الطويل يشبه وجبة سريعة دسمة لم تشبع جوعك الحقيقي.

لا تلوم نفسك. فأنت تواجه آلة صُممت خصيصًا لتبقيك متمررًا، من قبل فرق من المهندسين وعلماء النفس وخبراء الأعصاب. هدفها الوحيد: أسر انتباهك وبيعه لأكبر مزايد.

لكن الأثر أعمق من إضاعة وقت. هناك ذات تائهة معلقة بين واقع لا يحتمل وسراب لا يُدرك. وهذا الفراغ هو المحرك الأول للهروب الكبير.

الفراغ المذهل – تشريح الذات المعلقة

داخل كل منا، في زمن الخوارزميات، تعيش ذات معلقة تتأرجح بين واقع مرير ووهم لامع. ترى الآخرين يحتفلون بإنجازاتهم المصقولة رقميًا، وتشعر أنك عالق في احتفال صامت.

هذا الفراغ هو أصل الألم. ليس الفقر وحده، بل ذلك الشعور بأن لا شيء في يدك سوى اللا شيء. بحلول منتصف 2025، يُتوقع أن يصل مستخدمو «تيك توك» إلى 1.94 مليار نشط شهريًا. في العراق، حيث تتجاوز البطالة بين الشباب 35%، يستخدم التطبيق 34.3 مليون شخص – أي 73.8% من السكان. في أوكرانيا، رغم القصف والدمار، 67 من كل 100 شخص يمررون المقاطع يوميًا. أما في دول الرفاه، فيبقى الاستخدام معتدلاً؛ لأن واقعهم لا يدفعهم إلى الهروب.

دراسة حديثة كشفت أن انتشار الإدمان بلغ 20.1%، مع ارتباط وثيق بين الاستخدام المتكرر وارتفاع أعراض القلق والاكتئاب، خاصة لدى من تقل أعمارهم عن 24 عامًا.

جماعة الجالسين

عندما تلتقي الذوات المعلقة، لا تتجمع حول أمل مشترك، بل حول هوية العجز ذاتها. إنهم «جماعة الجالسين» – يتحدون على اتفاق ضمني: أن البقاء جالسًا قدر لا مفر منه.

هنا تكمن المفارقة: أنت لست مدمنًا لأنك ضعيف الإرادة. أنت مدمن لأن واقعك قد أُفرغ من المحتوى المنتج. فرص العمل شحيحة، التعليم لا يؤهل، الحلم بمستقبل أصبح كمالية رفاهية. عندما يكون واقعك عقيمًا، تتحول الشاشة إلى ملاذ.

في هذا النسيج، أي نجاح فردي يصبح جريمة وجودية. الناجح يهاجم بطقوس عنف مقدسة لأنه يفضح أن أعذارهم كانت واهية. يلبسون هجومهم تهمًا جاهزة: خيانة، غطرسة. يتحول العجز فجأة إلى فضيلة.

وما وصفه غوستاف لوبون من انحلال العقل الفردي في الروح الجماعية، يصبح في عصرنا الرقمي أكثر حدة. داخل غرفة الصدى، أي صوت لا يشبه الجماعة يختفي قبل أن يصل.

 

تشريح التمرير – ماذا يحدث في دماغك؟

عندما تتصفح، يفرز دماغك الدوبامين. كل مقطع جديد هو جرعة صغيرة. لكن الدماغ يعتاد، فتزداد الحاجة إلى جرعات أسرع. أنت تتصور أنك تكتشف محتوى جديدًا، لكن الخوارزمية تدفعك إلى تكرار ذاتك.

متوسط الاستخدام العالمي يقترب من 95 إلى 110 دقائق يوميًا، ويقضي المستخدمون أقل من ثانيتين في مشاهدة كل مقطع. هذه الوتيرة تعيد تشكيل الدماغ للانتقال السريع، مما يؤدي إلى «متلازمة الانتباه المتقطع» التي تعيق القدرة على التركيز في مهام طويلة.

بمرور الوقت، تتغير شبكة «الوضع الافتراضي» في دماغك – مركز التأمل الذاتي. بدلاً من أن تنشط أثناء سؤالك «من أنا؟»، تنشط أثناء الاستجابة لمحفز خارجي: فيديو جديد، إعجاب جديد. تدرب عقلك على أن يكون أقل استبطانًا وأكثر تفاعلاً.

الاختلاف كثيرا

وهنا يكمن السر الأعظم لاختلافاتنا المستعصية. الإدمان على الشاشة الخوارزمية، في جوهره، هو هروب من واقع محطم ترى أنك لا تستطيع إصلاحه. بعد هذه الدوامة التي لا تنتهي – تمرير مقطع بعد مقطع – يصبح دماغك مشتتًا، بلا مركزية لأي موضوع معين يحتويه أو يناقشه. أنت لم تعد مفكرًا ولا حتى متفرجًا واعيًا؛ أنت مجرد متلقٍ سلبي بدون قرار. شخصية كاملة تطارد وهماً، تطارد شيئًا لا تعرفه ولا تجده أبدًا.

النتيجة الطبيعية؟ قراراتنا تصبح مضطربة أو غير مكتملة، أو ببساطة نعتاد على عدم التعبير بالتفكير السليم. فالهم الأعمى قد أصبح ثقلاً على العقل لدرجة أن أول ما نرميه في البحر هو القدرة على التساؤل والمنطق. والأخطر من هذا كله: لم تعد الحقيقة لدينا هي ما هو صحيح بالدليل والبرهان، بل ما حقق أعلى نسبة إعجاب. الخبر المنتشر هو الخبر الصحيح، والرأي الأكثر تفاعلاً هو الرأي السديد. المعايير تقلب رأساً على عقب.

لذلك نختلف، ونختلف كثيراً، ولا نعرف الأسباب الحقيقية لاختلافاتنا. نحن نعرف فقط أننا نكره من يخالفنا، دون أن نستطيع أن نقول لماذا. لأننا لم نعد نفكر بعقولنا، بل أصبحنا نفكر كما تريد الخوارزمية. هي التي تختار لنا أعداءنا، هي التي ترسم لنا الحقائق، هي التي تقرر ما يستحق الغضب وما يستحق الاحتفال. والدماغ المشتت لا يملك الطاقة ولا التدريب ليتمرد على هذا التوجيه الخفي.

غرفة الصدى

هكذا يتحول المجتمع إلى جدار صلب من صوت واحد. لا أحد يجرؤ على السؤال، لأن السؤال الوحيد المسموح هو: «ألستُ على حق؟» والإجابة جاهزة: «نعم، أنت الضحية وهم الأشرار».

ثم يأتي السلاح الأفتك: الفلاتر والتزييف العميق. لم يعد الصدى كافيًا؛ أصبح الوهم البصري هو المخدر الأعمق. الفلاتر لا تجمل الوجه فقط، بل تجمل الحياة بأكملها. تحليل جان بودريار عن «الواقع المفرط» لم يكن خيالًا علميًا؛ اليوم، مع الديب فايك، أصبح الوهم أكثر رواجًا من الحقيقة. يجد المرء صعوبة في تقبل صورته الحقيقية بعد أن اعتاد على النسخة المعدلة.

بيونغ تشول هان يصف مجتمعنا بـ»مجتمع الإرهاق»: نحن لا نعاني من القمع الخارجي فحسب، بل نمارس العنف الرمزي على أنفسنا، نطارد مثالية رقمية لا تُدرك، ثم ننهار.

قصتان من واقع البحث

علي، شاب عراقي عاطل: «أفتح تيك توك لأقتل الوقت، فأجد نفسي قد مرت أربع ساعات. عندما لا أفتحه، تهاجمني الأفكار: لا مستقبل، لا كرامة. على الأقل في التيك توك، أنا موجود

هانا، طالبة سويدية: «أستخدمه نصف ساعة يوميًا. لا أشعر أنه يسيطر علي. إذا انقطع الإنترنت، أخرج إلى الطبيعة أو أقرأ كتابًا

الفرق ليس في الإرادة، بل في البيئة. علي يهرب لأن الحقيقة قاسية جدًا. هانا تتعامل مع التكنولوجيا كأداة لأن واقعها لا يحتاج إلى هروب.

اقتصاد الوهم – لماذا يريدك المستغل بعيدًا عن واقعك

المستغل لا يخترع الألم، بل هو قارئ بارع له. يمنحك الشرعية لأن تكون غاضبًا، لأن تتهم الآخر، لأن تبقى جالسًا.

لكنه لا يريدك أن تنتج واقعًا ملموسًا. الإنسان المنتج – الذي يبني منزلًا، أو يتعلم مهارة، أو يزرع أرضًا – أقل قابلية للتلاعب. يملك بديلاً عن الشاشة: واقعه المنتج.

إنها مثلث: واقع معقَّم، هروب خوارزمي، أرباح طائلة. المجتمعات التي تتمتع بفرص إنتاجية حقيقية هي نفسها التي يقل فيها الذوبان في التطبيقات.

الجروح الأسرية والتفكك الاجتماعي – حين تصبح الشاشة حاجزًا لا جسرًا

لكن الأزمة لا تتوقف عند الفرد. تمتد إلى أغلى ما نملك: علاقاتنا الأسرية والمجتمعية. الآباء والأمهات الذين يقضون ساعات على هواتفهم أمام أطفالهم يرسلون رسالة غير معلنة: «أنتم أقل أهمية من هذا الضوء الصغير». الطفل الذي يصرخ بحثًا عن نظرة حب لا يجدها، فيتربى على إحساس عميق بالرفض. ثم يكبر ليصبح هو الآخر عبدًا للشاشة، مكتملاً الحلقة المفرغة.

الأسر التي كانت يومًا ملاذًا آمنًا تتحول إلى مجموعة من الغرباء يجلسون في غرفة واحدة، كل منهم منغمس في عالمه الخوارزمي المنفرد. وجبات الطعام المشتركة، التي كانت طقسًا للحكايات والضحكات، تستبدل بأصوات المقاطع القصيرة. الحوار بين الزوجين يتحول إلى رسائل نصية جافة حتى تحت سقف واحد. الزوجة تتحدث عن همومها فلا يرفع الزوج عينيه عن الشاشة، والزوج يحتاج إلى دعم فلا تجد له الزوجة وقتًا. الصمت الثقيل يخيم على البيوت، ليس صمت سلام بل صمت موت بطيء للتواصل الحقيقي.

والأصدقاء؟ لم يعودوا أصدقاء بل متابعين متبادلين. الصداقة الحقيقية كانت تقوم على حضور الجسد، على البصيرة التي تقرأ العيون، على اللمسة التي تمسح دمعة. اليوم، نعزي أصدقاءنا بـ»إعجاب» على منشور حزين. نهنئهم بـ»قلب» أحمر. نعرف تفاصيل حياتهم السطحية ولا نعرف شيئًا عن أعماقهم. الصداقة تتحول إلى سلعة استهلاكية: من يعطيني متابعات أعطيه متابعات، من يعلق عندي أرد له التعليق. إنه اقتصاد نرجسي خالص.

على المستوى الاجتماعي الأوسع، المجتمعات تتصدع. التماسك الاجتماعي الذي كان يبنى على اللقاءات المباشرة، على الجمعيات الخيرية، على الأفراح والأحزان المشتركة، يذوب في غرف الصدى الرقمية. لم نعد نعرف جيراننا، لكننا نعرف حياة مؤثر غارق في الفلاتر. حين تتفكك الأسرة ويضعف المجتمع، يصبح الفرد أكثر هشاشة وأكثر تعلقًا بالخوارزمية. إنها حلقة تدمير ذاتي.

دراسة شملت 829 شابًا في السعودية وجدت أن 18.7% من مدمني وسائل التواصل يعترفون بضعف أدائهم الوظيفي بسبب الاستخدام الزائد، و17.5% يعانون من أعراض اكتئاب وتقلبات مزاجية حادة عند انقطاعهم عن الإنترنت. هذه الأرقام تعكس أن الضرر يبدأ من غرفة النوم ثم يمتد إلى مكان العمل والمجتمع بأكمله. فالأسرة المريضة تنتج أفرادًا غير قادرين على الإنتاج أو الحب، والمجتمع المتصدع يصبح أرضًا خصبة للاستغلال السياسي والتجاري.

 

كيف نخرج من الفخ؟

الاعتراف بالفشل هو نزع السلاح من يد المستغل. عندما تخرج إلى العلن وتقول: «أعترف بفشلي، ورغم ذلك أسعى» – فإنك تكسر قانون الحشد.

خطوات عملية:

1. الوعي: أنت لست ضعيفًا، بل تواجه نظامًا صمم لاستغلالك.

2. تأمل بلا شاشات: اجلس مع نفسك 10 دقائق يوميًا.

3. إعادة تعريف الذات: قيمتك ليست في عدد المتابعين.

4. صيام رقمي أسبوعي: يوم واحد بلا فيديوهات قصيرة.

5. مجتمعات مقاومة: ابحث عن رفاق حقيقيين.

6. تعلم فن الملل: دع نفسك تشعر بالملل دون أن تهرع إلى هاتفك.

7. إعادة بناء الأسرة: خصص وقتًا يوميًا للجلوس مع أسرتك دون هواتف – نصف ساعة على الأقل. أعد طقوس الطعام المشترك، والحكايات قبل النوم.

 

العودة إلى الجسد والإنتاج الحقيقي

المعركة الحقيقية ليست ضد الخوارزمية وحدها، بل استعادة القدرة على مواجهة الفراغ الداخلي بشجاعة، واستعادة الإنتاج الملموس. أي فعل منتج – نزرع نبتة، نصلح شيئًا مكسورًا، نكتب جملة – هو مقاومة للوهم المصقول.

لكن أي حل فردي لن يكفي دون تغيير هيكلي. مجتمعاتنا بحاجة إلى وظائف، تعليم، رعاية اجتماعية. نحتاج إلى واقع منتج حتى لا يكون الهروب إلى الخوارزمي هو الخيار الوحيد. والأسر بحاجة إلى التوعية والدعم.

العودة إلى التنفس، إلى المشي حافي القدمين على الأرض، إلى لمس من نحب، إلى الدموع الحقيقية – هذه هي الطقوس التي تعيدنا إلى إنسانيتنا. شجاعة النظر في المرآة دون فلتر، ورؤية التجاعيد والألم والأمل، ثم تقبل كل ذلك.

حينها فقط، نرفع أعيننا عن الشاشة ونهمس: أنا موجود. لست بحاجة إلى إعجاب لأثبت ذلك. ولست بحاجة إلى هروب لأن واقعي يمنحني ما يكفي لأبقى فيه. وعائلتي تنتظرني، وأصدقائي يحتاجونني، ومجتمعي يناديني.

وحينها يصبح السؤال الوحيد الذي يستحق الطرح: هل لا يزال أحد يعيش خارج الجدار؟ هل هناك من يستطيع تحمل ثقل استقلاليته، والوقوف خارج غرفة الصدى، ليصغي إلى الصمت الذي يجعل الفكر الحقيقي ممكنًا؟

نعم، هناك. ويمكن أن نكون منهم. خطوة بخطوة. بعيدًا عن جماعة الجالسين. وعائدين إلى إنتاج واقعنا، وإلى أحضان أسرنا.

مستند إلى أبحاث نموذج الحلقة المغلقة للدعاية الرقمية، وتحليلات بيانات من عشر دول، ومراجعة منهجية عن إدمان تيك توك، وإلى أفكار غوستاف لوبون، مارتن هيدغر، جان بودريار، وبيونغ تشول هان.


مشاهدات 49
أضيف 2026/06/15 - 11:59 PM
آخر تحديث 2026/06/16 - 1:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 14881 الكلي 15890362
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير