القدرُ المشتركُ
محمدُ خضيرِ الانباري
في صباحِ يومٍ حزين، من تلك الأيام التي تُخيّم فيها الكآبة على القرية البعيدة عن مركز المدينة، كان الشقيقان حسين وأخوه الأصغر حسن يجلسان معًا في ديوان المنزل، يتبادلان أطراف الحديث في ألفةٍ ومودة، كما دأبا على ذلك منذ سنواتٍ طويلة."
كانا أخوينِ لا يفترقان، جمعتهما المحبةُ قبلَ رابطةِ الدم، وتقاسما أفراح الحياةِ وأحزانها، كانَ حسينٌ يتحدثُ عنْ أبنائهِ ومستقبلهم، بينما كانَ حسنا، ينصتُ إليهِ مبتسما.
قالَ حسين، وهوَ يضعُ يدهُ على صدره: أخي حسن … أشعرُ بتعبٍ غريبٍ اليوم. نظرَ إليهِ حسن، بقلق، وقال: لعلهُ إرهاقٌ فقط، أرتاحُ قليلا.
لكنَ حسينا عادَ يضعُ يدهُ على صدره، وقالَ بصوتٍ متقطع: صدري … قلبي … وفجأةً انقطعَ صوته، مالَ جسدهُ إلى الخلف، وأغمضَ عينيه، قفزَ حسنٌ منْ مكانه، وهوَ يهتف: حسين! أخي حسين! تكلمَ معي! هزه بيديهِ مراتٍ عديدة، لكنْ دونَ جواب.
ارتفعتْ الأصواتُ داخلَ المنزل، وهرعتْ العائلةُ إلى المكان، الأمِ المكلومةِ دخلت، وهيَ تصرخ: حسين! ولدى حسين! أما زوجته، فانهارتْ باكية قربه، وأبناؤهُ ينظرونَ إليه- بذهول- لا يفهمونَ ما يجري.
حاولَ الجميعُ إسعافه، لكنَ القدرَ كانَ قدْ سبقهم، فقدْ فارقَ حسينٌ الحياةَ إثرَ نوبةٍ مرضيةٍ مفاجئة. سادَ الصمتُ للحظات، لكنَ الصدمةَ الحقيقيةَ لمْ تكنْ قدْ انتهتْ بعد، جلسَ حسنٌ قربَ جثمانِ أخيه.
أخذَ رأسُ حسينِ بينَ يديه، راحَ يبكي بحرقةٍ لمْ يشهدها أحد منْ قبل، كانَ يناديه بصوتٍ مرتجف: قمْ يا أخي … لا تتركني وحدي. حسينٌ … افتحْ عينيك. قلَ شيئا … ردا علي.
لكنَ حسينا لمْ يرد، كانَ السكون سيد الموقف، ازدادَ بكاءُ حسن، تشوشتْ أفكاره، لمْ يعدْ يستوعبُ ما يحدثُ حوله. أخذَ يقبلُ يدَ أخيه، ويتمسكُ بها بقوة، وكأنهُ يخشى أنْ يفلتَ منهُ إلى الأبد. صرخَ بأعلى صوته: لا أستطيعُ العيشَ منْ دونك يا حسين! ثمَ انحنى فوقهُ باكيا.
في تلكَ اللحظاتِ شعرَ بألمٍ شديدٍ يجتحْ صدره. تغيرَ لونُ وجهه.
حاولَ أحدُ الحاضرينَ أنْ يسنده، لكنهُ كانَ يرددُ بصوتٍ خافت: أخي … أخي حسين … ثمَ سكت. وسقطَ بجوارِ الجثمان. عمَ الذهولُ المكان.
أسرعَ الجميع نحوه، لكنَ الصدمةَ كانتْ أكبرَ منْ أنْ توصف.
لقدْ توقفَ قلبٌ حسنٌ هوَ الآخر، وكأنَ قلبهُ رفضَ أنْ يكملَ الطريق وحدهُ بعدَ رحيلِ أخيه. رحلَ الشقيقانِ في ساعةٍ واحدة، ودقائقَ قليلةٍ فقطْ كانتْ تفصلُ بينَ وفاتيهما.
تحولُ البيتَ إلى مأتمٍ كبير، ارتفعتْ أصواتُ البكاءِ والنحيب، الأمِ وقفتْ بينَ جثماني، ولديها، وهيَ تقول: أيٌ قلب يحتملُ هذا المصاب؟ أخذكما اللهُ معا كما عشتما معا.
أما زوجتاهما، فكانتا تبكيانِ بحرقة، وقدْ فقدتْ كلّ منهما شريك حياتها في يومٍ واحد.
الأطفالُ كانوا الأكثر حيرة. لمْ يفهموا معنى الموتِ كامل الفهم، لكنهمْ أدركوا أنَ آباءهمْ لنْ يعودوا. اقتربَ أبناءُ حسينِ منْ أبناءِ حسن.
تعانقوا، وهمْ يبكون، وسألَ أحدهمْ بصوتٍ بريء:
أينَ أبي؟ فأجابهُ طفلاً آخر، والدموع تملأُ عينيه: لقدْ سافرَ معَ عمي.
فسأله: ومتى يعودان؟ سادَ الصمت.
ثمَ انفجرَ الأطفالُ بالبكاء، فلمْ يكنْ هناكَ جوابا.
معَ اقترابِ موعدِ التشييع، امتلأتْ المسجد بالمشيعين، وقفَ الناسُ مذهولينَ أمامَ هذا المشهدِ النادرِ والمؤلم، نعشانِ متجاوران.
أخوانِ جمعتهما الحياة، وجمعهما الرحيل، تحركَ موكبُ التشييعِ وسطَ دعواتِ الرحمةِ ودموعُ المحبين.
وكانَ الجميع يردد: رحمكما الله. جمعكما اللهُ في جناتِ النعيمِ كما جمعكما في الدنيا.
وصلَ الموكبُ إلى المقبرة، وهناكَ كانَ المشهدَ الأخير.
قبرانِ متجاوران. وكأنَ الأرضَ نفسها أبتْ أنْ تفرقَ بينهما. أنزلَ المشيعونَ حسينا أولا.
ثمَ أنزلوا حسنا إلى جواره. وتعالتْ أصواتُ البكاءِ مرةً أخرى.
أما الأم، فرفعتْ يديها نحوَ السماء، وقالت: اللهم، اجمعهما في رحمتك كما جمعتهما في الدنيا.
وأهيلُ الترابَ على القبرين. واختفى الجسدانِ عنْ الأنظار، لكنَ قصةَ الأخوينِ بقيتْ حاضرة في قلوبِ الجميع.
قصةُ محبةٍ صادقةٍ لمْ يستطعْ فيها الأخُ الأصغرُ احتمالَ فراقِ أخيهِ الأكبر.
رحلا معا، وكأنهما اتفقا دونَ موعدٍ على السفرِ الأخير.
منْ دارِ الفناءِ إلى دارِ الخلود.
ومنْ الدنيا إلى رحابِ ربِ العالمين.
وهكذا انتهتْ الرحلة. وأسدلَ الستارُ على حكايةِ أخوينِ جمعهما القدرُ في الحياة، وجمعهما القدر المشترك في الموت.