روافد الإلهام الشعري
حسين الاعرجي
في جلسة مسائية جميلة بمعية ثلة طيبة من الأساتيذ تولدت لدي فكرة قائمة على سوال يكشف الأساس الذي اعتمده العرب في وجود القوى الماورائية او الجن كرافد للشعر والشعراء ؟ قلت وزدتها الان: ان القوى الماوراىية او الجن كان رافدا حيويا لقرض الشعر ، فلم ينظر االعرب قبل الإسلام إلى الشاعر بوصفه رجلاً يجيد نظم الكلمات فحسب، بل كان يراه كائناً يتصل بقوة خفية تتجاوز حدود الإدراك العادي. فالشعر، في اعتقاد تلك المجتمعات البدائية، لا يولد من الصناعة العقلية وحدها، بل يُعد أثراً من آثار القوى الغيبية التي تؤمن بها الجماعة وتخضع لسلطانها النفسي.وانطلاقا من مقولة ان من البيان لسحرا، اعتقد العرب أن لكل شاعر شيطاناً يُلقي إليه الشعر، لأنهم لم يجدوا تفسيراً آخر لتلك القدرة العجيبة على ارتجال القول المؤثر. فالإنسان القديم، حين يعجز عن فهم ظاهرة نفسية أو عقلية، يردّها دائماً إلى العالم غير المرئي. وهكذا نُسب الإبداع إلى الجن كما نُسب المرض والجنون والرؤيا إلى القوى ذاتها.إن الشاعر في القبيلة العربية لم يكن فناناً بالمعنى الحديث، بل كان أشبه بالكاهن والمحارب معاً. كان يثير الحماسة، ويحفظ تاريخ الجماعة، ويمنحها شعور التفوق على خصومها. ومن هنا اكتسبت كلماته سلطة تتجاوز سلطة السيف أحياناً. ولم يكن ممكناً لمجتمع شفهي أن يفسر هذه الهيمنة الرمزية إلا بربطها بقوة فوق بشرية. كما أن طبيعة الصحراء نفسها غذّت هذا الخيال. فالعزلة، والليل، والوديان المقفرة، والصمت الهائل، كلها تولّد في النفس استعداداً للإيمان بالكائنات الخفية. ومن يقرأ الشعر الجاهلي يلاحظ أن عالم الجن لم يكن هامشاً أسطورياً، في بنية الشعر الجاهلي بل جزءاً من البناء النفسي للعربي القديم.ولذلك فإن فكرة “شيطان الشاعر” ليست خرافة منفصلة عن المجتمع، بل تعبير عن مرحلة ذهنية كانت ترى أن العبقرية نوع من المسّ، وتعكس أهمية الشعر ومكانته عند العرب فضلا عن أن الكلمة الملهمة عندهم لا تأتي من الإنسان وحده، بل من اتصال غامض بعالم غير منظور.