الإحساس الشعري والنقدي عند الدكتور عباس الجبوري
مقدمة
———-
يُعدّ الدكتور عباس الجبوري واحداً من الأصوات الأدبية التي جمعت بين رهافة الحس الشعري و دقة الرؤية النقدية. فقد استطاع أن يوازن بين مساحة التجربة الإبداعية وعمق التحليل، ليقدّم للقارئ صورة متكاملة عن الشعر بوصفه نصاً حيّاً، وعن النقد باعتباره أداة لفهم هذا النص وإضاءته. إن سيرته الأدبية تكشف عن شخصية مثقفة متفاعلة مع قضايا الفكر والجمال، حيث يتداخل في كتاباته صوت الشاعر المتأمل مع عقل الناقد الباحث عن المعنى والدلالة. ومن هنا تأتي أهمية دراسة إحساسه الشعري والنقدي، بوصفه تجربة فريدة تجمع بين الإبداع والقراءة، وبين الذات والآخر، وبين النص والواقع.
سيرته
———
د. عباس الجبوري: موسوعة إنسانية وإبداعية في الأدب والمسرح والنقد
————-
يُعد الدكتور عباس الجبوري واحداً من أبرز الأسماء العراقية والعربية التي تركت بصمة عميقة في مجالات الأدب والمسرح والنقد والشعر الحديث، وهو شخصية متعددة الأبعاد، جمعت بين الفن التشكيلي، والإخراج المسرحي، والكتابة الصحفية، والنقد الأدبي، والشعر، والفكر الفلسفي. إن قراءة سيرته ليست مجرد استعراض لمسيرة شخصية، بل هي نافذة على تاريخ ثقافي وفني ممتد، يعكس تداخل التجربة الفردية مع التحولات الكبرى في العراق والوطن العربي خلال العقود الماضية.
النشأة والجذور
————-
ولد د. عباس الجبوري في مدينة بعقوبة في ديالى، المعروفة بمدينة البرتقال، القريبة من بغداد، في بيئة غنية بالبساتين الخضراء وعمق حضاري يمتد لآلاف السنين. هذه البيئة، التي ارتبطت بمملكة “اشنونا” البابلية، شكّلت خلفية ثقافية وروحية أثرت في تكوينه الفني والفكري. فمنذ بداياته، حمل الجبوري في داخله ذلك التوازن بين الأرض والإنسان، بين التراث والحداثة، وهو ما انعكس لاحقاً في مشروعه المسرحي والشعري.
من الفن التشكيلي إلى المسرح
—————
بدأ الجبوري مسيرته فناناً تشكيلياً، قبل أن يتجه إلى الإخراج المسرحي والكتابة الدرامية. بعد تخرجه من المعهد العالي للفن الحديث في بيروت عام 1965، عمل في الإذاعة والتلفزيون العراقي، حيث أسهم في إثراء المشهد الثقافي والإعلامي. لم يكتفِ بالعمل التقليدي، بل أسس تجربة فريدة هي “المسرح الفلاحي العراقي”، الذي جمع بين الإنسان والأرض، ليجعل من المسرح أداة للتعبير عن علاقة الإنسان بجذوره وبيئته.
هذه التجربة لم تكن مجرد مشروع فني، بل كانت رؤية فلسفية تسعى إلى إعادة ربط الفن بالحياة اليومية، وإلى جعل المسرح مساحة للتفاعل الاجتماعي والثقافي. وقد وظّف الجبوري تقنياته في السينوغرافيا، بعد حصوله على الماجستير في هذا المجال، ليمنح عروضه المسرحية بعداً جمالياً وتقنياً متقدماً.
الصحافة والإعلام
—————
إلى جانب المسرح، كان للجبوري حضور بارز في الصحافة العراقية والعربية. كتب في صحف ومجلات مهمة مثل الثورة، الجمهورية، ألف باء، المنار، التأخي، الأداب اللبنانية، الطليعة العربية وغيرها. هذا النشاط الصحفي جعله قريباً من قضايا المجتمع، ومنح كتاباته طابعاً نقدياً وتحليلياً، حيث كان يوازن بين الإبداع الفني والوعي الاجتماعي والسياسي.
كما حصل على الدكتوراه في فلسفة علوم الإعلام، متناولاً موضوع “ابستمولوجيا الإعلام الافتراضي الإخباري في التنمية الاجتماعية”، وهو ما يعكس اهتمامه العميق بدور الإعلام في تشكيل الوعي الجمعي، وفي خدمة التنمية.
الإنتاج الأدبي والفكري
————
أبدع الجبوري في مجالات متعددة، فكتب الشعر الحديث، وأصدر ثلاثة دواوين هي:
• رؤى
• ليت كل القصائد جمر
• جرح تندى
إلى جانب مشروع شعري جديد في الطريق. هذه الدواوين تكشف عن شاعرية متجددة، تتأرجح بين الرؤيا والجرح، بين الحلم والواقع، وتؤكد انتماءه إلى تيار الشعر الحديث الذي أسسه رواد مثل نازك الملائكة ومحمود درويش ولميعة عباس عمارة.
أما في مجال الفكر والنقد، فقد ألّف كتباً مهمة منها:
• الإعلام ونظرية الواجب الأخلاقي
• العقلانية في الفكر العربي المعاصر
• إشكالية النقد في الشعر العربي المعاصر
• دور الأدب في ثقافة السلام
هذه المؤلفات تعكس اهتمامه بالفلسفة، وبالعلاقة بين الأدب والأخلاق، وبين النقد والواقع الاجتماعي، وهو ما جعله مرجعاً في الدراسات النقدية والفكرية.
المسرح والنصوص الدرامية
————-
كتب الجبوري أكثر من 60 نصاً مسرحياً، تنوعت بين التراجيديا والمونودراما والكوميديا السوداء. هذا التنوع يعكس قدرته على استيعاب مختلف أشكال التعبير المسرحي، وعلى توظيفها في معالجة قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية. لقد كان المسرح بالنسبة له وسيلة للتفكير النقدي، ولإثارة الأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والهوية.
???? النشاط الثقافي والإنساني
—————
لم يقتصر دور الجبوري على الكتابة والإبداع، بل كان ناشطاً في المنتديات الثقافية المحلية والعربية. فقد كان عضواً في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، ونقابة الفنانين في العراق، والمجلس المركزي للدراما، والأكاديمية العربية للنقد. كما حمل ألقاباً دولية مثل “سفير السلام والتراث الدولي” و”سفير السلام العالمي”، وعمل مستشاراً في منظمات دولية مثل منظمة برادانا للتنمية والسلام العالمي.
إلى جانب ذلك، أسس وأدار ملتقيات ثقافية مثل “ملتقى رحيق الثقافة والأدب” و”منتهى همسات القلوب الندية”، وكان له حضور بارز في منصات التواصل الاجتماعي، حيث ساهم في نشر الفكر النقدي والأدبي بين الأجيال الجديدة.
التكريمات والإنجازات
—————
حصد الجبوري العديد من التكريمات الدولية والعربية والعراقية، وحصل على أوسمة وشهادات شرفية عليا وفخرية، تقديراً لعطائه الثقافي والفني. هذه التكريمات لم تكن مجرد احتفاء بشخصه، بل اعترافاً بدوره في إثراء الثقافة العربية، وفي الدفاع عن قيم السلام والإنسان
من هذه السيرة العطرة يتوضح جلياً للقاريء ان
الدكتور عباس الجبوري شاعر فذ وناقد متميز، جمع بين عمق التجربة الأدبية ورحابة الفكر النقدي. عرفته الساحة الثقافية صوتاً أصيلاً يوازن بين الإبداع الشعري والقراءة التحليلية للنصوص، فكان مرجعاً للطلبة والباحثين. زاملته كما يزامل التلميذ أستاذه، فوجدته منفتحاً على الحوار، معطاءً في المعرفة، لا يبخل بتجربته ولا يضنّ برؤيته. تميز بقدرته على الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الحس الإنساني والصرامة الأكاديمية، مما جعله نموذجاً للمثقف الذي يضيء الطريق لغيره. إن سيرته تمثل جسراً بين الأجيال، ونتاجه علامة فارقة في الشعر والنقد العربي.
كما انه
يمثل سيرة معطاءة في محافظة ديالى، حيث جمع بين الشعر والنقد بروح المثقف المنفتح على طلابه وزملائه. عرف بقدرته على المزج بين الأصالة والحداثة، فكان صوتاً أدبياً بارزاً يضيء المشهد الثقافي المحلي. لم يقتصر عطاؤه على النصوص الشعرية، بل امتد إلى النقد البنّاء الذي أسهم في تطوير الحركة الأدبية في ديالى. تميز بحضوره الإنساني، إذ كان قريباً من الناس، يشاركهم همومهم ويحتفي بإنجازاتهم. إن سيرته تمثل نموذجاً للمثقف الذي يترك أثراً عميقاً في مجتمعه، ويجعل من الكلمة جسراً للتواصل والإبداع.