الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في أدب الرحلات.. دمشق وسكة قطار الحجاز ورسائل غرام السفر


في أدب الرحلات.. دمشق وسكة قطار الحجاز ورسائل غرام السفر

نعيم عبد مهلهل 

 

 انتهى طقس الحمّام، وتركنا الحكواتي يمازح زبائنه ويعدهم بحكايةٍ جديدة عن "باب الحارة". السوريون لا يصغون إليه جيدًا، وغير السوريين -وأغلبهم من العراقيين- يشدهم في لذّة السماع أن عليهم مقارنة ما يحكيه الحكواتي مع أحداث المسلسل التلفزيوني "باب الحارة". لتشعر أن شيئًا مختلفًا بين بيئة الشام وبيئتك السومرية البعيدة. والمدينة التي وُلدتَ فيها تختلف تمامًا عن معمار هذا المكان المسكون بأزلٍ بعيدٍ بعطره وعمارته وتقاليده التي تختلف كثيرًا؛ حيث دمشق القديمة أزقةٌ تتشابك فيها البيوت المسكونة بأسرار الشواغير والأسواق المتفرقة والبيوت المميزة لتجار ومخاتير. والقاسم المشترك بين مدينتك ودمشق هو أن مدحت باشا الذي أسس الناصرية بفرمانٍ سلطاني كان في ذات الزمن واليًا على دمشق، وله فيها سوقٌ كبير هو سوق مدحت باشا، وسُمي بالسوق الطويل أيضًا. أُنشئ عام 1878م في عهد والي دمشق مدحت باشا. يمتد السوق فوق الشارع الروماني "الشارع المستقيم" -الذي ورد ذكره في الإنجيل والكتب المقدسة- ويقع هذا الشارع في قلب دمشق القديمة، موازيًا لسوق الحميدية الشهير. وسوق مدحت باشا من أعرق أسواق دمشق القديمة، ومن الأسواق الشرقية المهمة، وهو مسقوفٌ في الجزء الأول منه ولمسافةٍ كبيرة، وعلى جانبيه الحوانيت والمحلات ذات الصبغة التاريخية. يخترق المدينة القديمة من باب الجابية إلى باب شرقي، ويتفرع منه أسواقٌ متخصصة كثيرة مثل: سوق الحرير، وسوق البزورية، وسوق الخياطين، وسوق الصوف، وغيرهم.

 

أتذكر الموصلي حين استذكرنا الوالي العثماني وهو يقول: "الأتراك في العراق أكثر المدن التي تركوا فيها بصماتهم هي الموصل، لهذا طالبوا بها يوم انهارت دولة بني عثمان وأتت جمهورية كمال أتاتورك، لكن الموصل عربية ولن تكون غير ذلك".

 

أوافقه الرأي، ذلك لأن الأتراك تركوا الجنوب معدمًا ولم يرسلوا إليه سوى ولاة البصرة، ومهمتهم فقط هي الجباية وتلقين الناس عبارة أن أمير المؤمنين يجلس في الاستانة. وكان أغلب أهل الجنوب لا يعرفون حتى الجهة التي تقع فيها الاستانة، ويعرفون فقط جهة مكة وكعبتها، ومدن أهل البيت وأضرحتهم.

 

لكنه قال: "وجعلوا الشمال كالجنوب وتركوه أزقةً ضيقةً ومظلمة، ولكنهم تركوا لهم إرثًا كثيرًا من الجوامع والحمامات".

 

وأعرف أيضًا أن القطارات في دمشق نادرة الحضور بالرغم من أن الكثير من أهل دمشق يشاهدون يوميًا في منطقة الحجاز القاطرة العثمانية التي كانت تجر القطار الواصل بين دمشق والحجاز، والذي أسسه العثمانيون لنقل الجنود والبضائع والحجاج. ومحطة الحجاز هي نقطة انطلاق الخط الحديدي الحجازي الذي كان يصل بين بلاد الشام والمدينة المنورة انطلاقًا من دمشق، والذي توقف العمل به منذ عام 1917م، ويُعتبر أحد معالم مدينة دمشق التاريخية.

 

وُلدت فكرة إنشاء الخط لأول مرة عام 1864م، وذلك للأهمية الكبيرة لمدينة دمشق وكمنطلق لحملات الحج التي كانت تتوافد إلى دمشق من دول آسيا الوسطى بعشرات الوفود استعدادًا لمحمل الحج الدمشقي الذي ينطلق من دمشق إلى المدينة ومكة في الجزيرة العربية، ليكون هذا الخط السككي بديلًا عن طريق القوافل القديم التي كانت رحلة الحج فيه تستغرق 40 يومًا للوصول للأراضي المقدسة في مكة والمدينة المنورة. ولقد تأخر تنفيذ المشروع حتى نهاية القرن التاسع عشر في عهد والي دمشق حسين ناظم باشا ورجل الدولة الدمشقي أحمد عزت باشا العابد، أمين سر السلطنة في ذلك الوقت. حيث تكلف المشروع خمسة ملايين ليرة ذهبية من الخزينة العثمانية وما يُجبى من أهل الشام والولايات القريبة لهم. وكان ينقل وفود الحجيج من دمشق والتجار والمسافرين والبضائع إلى الجزيرة العربية، وتمت العناية معماريًا بمبنى المحطة التي هي اليوم من المباني الأثرية المميزة في وسط مدينة دمشق.

 

كلما أمرّ على محطة الحجاز أتذكر الوالي مدحت باشا بالرغم من أنه ليس له يدٌ في إنشاء المحطة، ولكن بعد إنشائها بسنوات جيء به واليًا على دمشق.

 

لم تكن دمشق غائبة أو منسية أو لا نعرفها يوم كان كتاب "أطلس" الصف الخامس الابتدائي يتجول في ذاكرتنا بمتعة أماني السفر.

 

وأتذكر أن هناك كتيبًا قصصيًا يتحدث عن قصة حب سكنت عاطفة الوالي مدحت باشا يوم تولى بغداد، ووقع غرامه بفتاة شركسية تعمل خادمة في واحد من بيوت بغداد العريقة، فتزوجها لتكون أجمل زوجاته والأقرب إلى قلبه، وهي الوحيدة التي عاشت محنة حزنه وهو في سجنه الحجازي ثم اغتياله وهو في السجن.

 

كلما تفتح دمشق بابًا للذكرى وأكون في منطقة الحجاز، أطلب من سائق التاكسي التوقف لأنزل، فليس سوى وجه الوالي الذي أسس مدينتي ووقّع فرمان إنشائها من يحضر ليكون خيط الوصل بين الاغتراب والذكريات التي تركتها هناك في المدينة السومرية.

 فأشعر أن المدن تكون فرحانة حين تسعى إغماضةُ عينيك إلى توأمتها مع مدينة أخرى عن طريق التذكر. ولهذا فإني حين أبدأ نهاري الدمشقي من شقتي في السيدة زينب وحتى مقهى الروضة في شارع العابد، لا بد أن أنزل عند محطة الحجاز وأستذكر بعضًا من فصول حياتي هناك، ثم أكمل السير مشيًا على الأقدام إلى مقهى الروضة. هناك سأفتح دفتري وأبدأ يومًا جديدًا من كتابة فصل اغتراب أبناء شعبي وسرهم مع المنفى السوري لأسميه "جمهورية السيدة زينب". وفي تلك الجمهورية وجدت الرغبة لتكون دمشق ومدينة أخت الحسين فصلًا ملونًا بثقافة الشام وأمكنة الشام، ولكن ليس كلها، بل ما أحسه إثارةً واكتشافًا جديدًا لنقطة الحزن التي تحفزك لتكتب رحلتك بحبر من دموع العيون، وهي ذاتها الدموع التي ترسم أبعادها ومشاعرها وأنت تتأمل محطة الحجاز وتستعيد مذكرات ورسائل زوجته الشركسية، وأنت تعرف أنها تعرف بغداد ولا تعرف دمشق. ولكن أن تجعل من توأمة الأمكنة حسًا آخر لبناء المدن وتتخيلها حسب ما تنتجه موهبتك يضعك في جهة أخرى لتعرف المدينة التي تتجول في شوارعها، وتود أن تنزل طربوش الوالي مدحت باشا من رأسه وترتديه وتذهب به مشيًا على الأقدام من هنا حتى مقهى الروضة، الذي أُسس سنة 1937، على أنقاض سينما قديمة. تقارب مساحته الدونم أو ثمانمئة متر، وهو في شكله الحالي يبدو كبقايا لبيت شامي، لا سيما ببركة صغيرة "نافورة" تتوسطه، متوقفة عن العمل، وبشجراته الأربع. وهناك تلتقي بالشتات الوطني، وأغلبهم من الذين أحبوا دمشق وسكنوها ولم يذهبوا ليطلبوا لجوءًا لعاطفتهم وذكرياتهم عند السيدة. لأشعر أن المنفيين من المثقفين والكتاب يريدون دمشق، والكسبة والفقراء وأصحاب المواقف والهاربين من أوضاع لم تعد تعجبهم في بلادهم اختاروا السيدة زينب ملاذًا، فيما اختار أغلب المهاجرين العراقيين من المسيحيين منطقة جرمانا لتكون جمهوريتهم.

 

لكني الآن لا أهتم لضجيج الخطوات ومزامير السيارات في منطقة الحجاز، حيث تقاطع يذهب بك إلى اتجاهات شتى صوب سوق الحميدية والبرامكة وجسر الرئيس والصالحية، لتشعر أن دمشق تتفرع منها وكلها تركب هذا القطار ليخفف عن زحمتها التي تكون أول الصباح وفي الظهيرة لا تُحتمل. لي أفضل السير على قدمي وأعيش ما يجلبه التاريخ إليّ وأنا ألتفت بفزع اللحظات التي أدلف فيها مبنى الإقامة القريب من المحطة لأعيش دقائق رعب أمام الرقيب الذي يضرب ختمًا على ورقة بيضاء يسمح لي فيها أن أبقى بدمشق لثلاثة أشهر أخرى قابلة للتجديد.

 

هذا المربع الحضري في قلب العاصمة دمشق هو قلبها النابض، وقد أبقى فيه البناء صورته البعيدة منذ أيام الأمويين والعهود الأبعد، فتشعر أنهم حين يحفرون في المكان ستفاجئك أسس لمعبد قديم أو تمثال لإله روماني أو صومعة لواحد من حواريي المسيح. فيما يبدو الجامع الأموي وقبر صلاح الدين الأيوبي قائمين وينبضان بالحياة، وليس بعيدًا عنهما يوجد المزار العلوي لقبر رقية بنت الحسين (ع).

 

أقرأ دمشق من خلال هاجس غربتي، فأشعر أني لا أصلح أن أكون رحالة، فالرحالة يفتحون عيونهم على كل الأمكنة والزوايا، وأنا لا أفتح نافذة سوى على غربتي وانتظار مواعيد مقابلات اللجوء. وأظن أن الانتباه إلى عاطفة المدينة من خلال أمكنتها هو متعة متمناة، من خلال نصيحة صديق وهو يحفزني قائلًا: "أنت روائي ولكنك لا تستطيع أن تتوغل في المكان وأهله لأنهم يختلفون عنك بالطباع والبيئة والثقافة. تحتاج إلى أن تعرف المجتمع الدمشقي حين تتوغل فيه، والتوغل يحتاج إلى علاقات وقدرة على الإقناع، ويحتاج إلى الثراء وولائم مائدة الأنس والخضوع إلى مزاجهم وتفكيرهم وعاداتهم. صعب أن تكون شاميًا وأنت مهاجر، لهذا أنصحك لتكون من مشاعر ابن بطوطة، اقرأ ما تراه عيناك واكتبه بمشاعر قلبك وافتراضاته".

 

وجدت نصيحة صديقي معقولة، بالرغم من أنني أقمت علاقات جيدة مع الشوام، وبعضها علاقات عائلية، وخصوصًا مع ناشري الطيب أيمن الغزالي، لكن أيمن درعاوي من خربة غزالة التي حدثني مرة عن تاريخها قائلًا:

خربة غزالة هي ناحية تقع في الجهة الشمالية الشرقية من مركز محافظة درعا في سورية، على بعد حوالي 20 كم من مركز المحافظة وحوالي 90 كم عن العاصمة دمشق جنوبًا، في سهل خصب في الشمال الشرقي من محافظة درعا. وهي مركز ناحية يحدها من الشمال قرية نامر، ومن الغرب داعل وعَتَمان، ومن الجنوب الغارية الغربية والشرقية والنعيمة، ومن الشرق الكرك وعِلما. تقع على الأوتوستراد الدولي الواصل بين دمشق وعَمّان. يبلغ عدد سكان الناحية حوالي 27,000 نسمة.

كانت في الماضي، أيام الدولة العثمانية، مركزًا لمنطقة حوران ونقطة مهمة لتسويق الحبوب نظرًا لوجود مركز محطة قطار الحجاز فيها. كما أنها تشتهر بالزراعة، وخصوصًا القمح والحبوب والخضروات والأشجار المثمرة كالزيتون والكرمة.

ويوجد في خربة غزالة الكثير من الآثار الرومانية المهمة المنتشرة في المنطقة والكثير من البيوت الأثرية، مثل دار الشيوخ الزعبية التي هي بالأصل قلعة بيزنطية، ودار آل بديوي التي تُعرف بـ"الحجية"، ودار العمور القديمة حيث توجد فيها الكثير من النقوش والقناطر الرومانية القديمة وغير ذلك.

وللأسف تم تدمير وتخريب الكثير من هذه الآثار نتاج الإهمال، ومن الآثار المدمرة البئر الرومانية "الغدير" والقنوات الرومانية القادمة من جهة البلدة، وهو عبارة عن بحيرة صغيرة أثرية تتفرع منه القنوات المكشوفة والمغطاة لتوصل المياه لكل البلدة القديمة. وأيضًا هُدم الجامع العمري الكبير الذي حل محله جامع من الإسمنت، ولم ينجُ منه إلا المئذنة، وهي أساسًا ليست الأصلية بل بُنيت في بداية القرن التاسع عشر بمجهودات الأهالي.

هذا جزء من ذكرى ، سكة قطار وياسمين عاصمة سوريا وحنين لأزمنة العيش فيها ضيف حب وقصيدة .

 


مشاهدات 46
الكاتب نعيم عبد مهلهل 
أضيف 2026/05/05 - 4:29 PM
آخر تحديث 2026/05/06 - 1:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 4912 الكلي 15250106
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير