العميد الذي خلع بزته العسكرية ليرتدي هموم الشعب
عبد العظيم محمد
ثمة معادن من الرجال لا تصقلها الرتب العسكرية ولا تزيدها المناصب السياسية الا ( لمعانا وتواضعا ) أولئك الذين آمنوا ان السلطة ليست ( امتيازا ) ، بل هي تكليف اخلاقي ومسؤولية انسانية عظمى ، نحن هنا لا نتحدث عن مجرد مسؤول ، بل عن شخصية استثنائية جسدت روح ( الوطنية ) في أبهى صورها ، وانطلقت من عقيدة عسكرية لا ترى في القوة الا وسيلة لنصرة المظلوم واغاثة الملهوف .. فمنذ ان كان ضابطا يحمل امانة الأمن لم تمنعه القيود الرسمية من ان يكون أول المستجيبين لنداءات الاستغاثة، فلم تكن اطراف بغداد المنسية ولا ازقتها النائية بعيدة عن خطاه ، بل كان هو من يبحث عن المحتاج ، ويقتفي أثر الوجع ، ويتابع الحالات الانسانية بقلب الأب وحزم القائد ، حتى تنجلي الغمة .. ففي زمن غلبت فيه المظاهر وباتت الحمايات والاسوار العالية تفصل بين المسؤول والمواطن تبرز شخصية استثنائية كسرت القواعد السائدة واثبتت ان المناصب لا تغير الرجـــــال ، بل تكشف معادنهم ..
خدمة مستضعفين
هنا تبرز قصة تجسد ( نموذجا استثنائيا ) في العمل السياسي والأجتماعي ، حيث تتحول الرتبة العسكرية من أداة سلطة الى وسيلة لخدمة المستضعفين ، انها قصة العميد عزيز ناصر الذي لم يترك بزته العسكرية الا ليرتدي ثوب المسؤولية البرلمانية ( هموم الشعب ) حاملا معه ( ارثا ) من النزاهة وقلبا لم يغفل يوما عن نبض الشارع ، نعم لقد تحول من ميدان الأمن الى معترك القلوب ، هكذا عرفه الناس حين كان يشغل منصب مدير اعلام في قيادة شرطة بغداد الكرخ ، لكنه لم يكن يرغب بالمكاتب المكيفة ، بل كان شغله الشاغل يتجاوز البيانات الصحفية ليصل الى الأزقة الفقيرة ويقبل رأس شيخ اعياه الزمان او امرأة تشكو من زمن اذلها او ذرية هجرتها .. وما اذهل الجميع هو ان عطاءه لم يكن من ( ميزانية الدولة ) بل كان يقتطع من جيبه الخاص بصمت بعيد عن عدسات الكاميرات مؤمنا بأن خدمة الناس هي أرقى الرتب العسكرية ... وبصراحة اقول لم التق به يوما بل تابعت خطواته وادهشني بحق حتى دخل العميد عزيز ناصر السباق الانتخابي للدورة البرلمانية السادسة في مشهد سياسي اعتاد فيه المواطن على بريق الدعاية الأنتخابية والمليارات المنفقة على الولائم واللوحات الإعلانية التي تسد الأفق ، برزت قصة العميد عزيز ناصر الذي كسر القواعد المألوفة ، إذ لم يكن صعوده الى قبة البرلمان وليد الصدفة او نتاج تحالفات مالية ضخمة .
طفل جائع
بل كان ( حصادا ) لسنيين من السير في الأزقة المنسية والمناطق النائية يتفقد ابناء شعبه ، وبينما كان المنافسون يملأون الشوارع بجيوش من الصور ، اكتفى هو ب ( خمس ) صور شخصية فقط في ارجاء العاصمة بغداد ، لم يحتج الى المليارات ليشتري الأصوات كما فعل غيره ، لأن رصيده كان محفورا في ذاكرة أم ساعدها في ثمن علاج ، او شيخ مسن وجد فيه سندا ، او طفل جائع مسح عن وجهه غبار الحرمان ، لقد دفع من جيبه الخاص حينما كان ضابطا فدفع له الشعب من حبهم (15488) صوتا كانت بمثابة صرخة حق في صناديق الاقتراع ..انه الفوز الساحق دون ماكينات اعلامية ، بل هي ثقة شعبية كسر بها احتكار المال السياسي ليصبح عزيز ناصر النائب بلا أسوار .. وان الظاهرة الأكثر دهشة هي ما بعد الفوز ففي الوقت الذي سارع فيه الكثيرون ممن فاز بمقعد نيابي لتغيير أرقام هواتفهم واحاطة انفسهم باسوار من الحمايات والسيارات المظللة ، بقي العميد النائب كما عرفه الناس لم يغير رقم هاتفه يتجول في الأسواق والازقة بلا حراسة يعطي رقم هاتفه الشخصي لمن يطلبه ويحثهم على الاتصال في اي وقت ..
اذ ان البرلمان بالنسبة له لم يكن وجاهة ، بل كان ( تكليفا ) يستوجب بقاءه الأقرب من النبض الحقيقي للشارع .. اذ لم يتوقف العطاء عند حدود الخدمات الشخصية .
بل انتقل هذا الأخلاص الى داخل اروقة البرلمان ، هناك يرتفع صوته مدافعا عن المظلومين مشيرا بأصابع الأتهام الى السلبيات التي تنخر في جسد الوطن وتؤثر على حياة المواطن البسيط ، إذ لم تروضه كراسي السلطة ، بل زادته تواضعا واصرارا على انتزاع الحقوق مهما كلف الأمر .. ان النائب عزيز الذي يطلق عليه لقب النائب الميداني لم يات من فراغ اذ وجدته يتجول في شارع المتنبي بلا دروع ولا حمايات يصافح هذا ويلتقط صورة مع ذاك ، بل يلتفون حوله بحب كبير ويطلبون منه التصوير معهم وبابتسامة جميلة يرحب بهم ويردد ( انا في خدمتكم ) ان النائب ناصر هو صوت الحق داخل قبة البرلمان فلم يكن ( رقما تكميليا ) ، بل ( صوتا مؤثرا ) ينحاز دائما للمظلوم ضد الظالم مكرسا وقته للدفاع عن حقوق الفئات المهمشة .. ان هذه الشخصية الوطنية ليست مجرد ( نائب ) في البرلمان بل هي رسالة أمل لكل العراقيين بأن التغيير ممكن وان النزاهة هي العملة التي لا تخسر أبدا ، لقد أثبت النائب عزيز أن القائد الحقيقي هو من يمشي بين الناس أمنا ، محميا بحبهم لا ببنادق حراسه .. ان مسيرة النائب عزيز ناصر تؤكد كونها تجربة تثبت ان السياسة حين تمتزج بالانسانية والنزاهة تتحول إلى رسالة سامية ، وأن ثقة الشعب لا تشترى بالمال ، بل تكتسب بالوفاء والمواقف التي لا تتغير بتغير الرتب او المناصب .. ان النائب عزيز هو النموذج الذي يقول بفعله قبل قوله ، ( انا بخدمة الجميع ) ما أجملها من عبارة ولم الاستغراب فهو يقبل الصغير تواضعا وينحني لحاجة الكبير تقديرا ، ليثبت ان النائب الحقيقي هو من يجد نفسه في خضم معاناة شعبه ، لا خلف المكاتب المغلقة فهنيئا للعراق على هذه الشخصية البرلمانية النموذج وهنيئا للشعب وهو يجد من يقف معه بلا مقابل