إيران ونهاية نموذج الإخوان
فارس الخطاب
لم يكن انجذابُ قطاعاتٍ من الإخوان المسلمين إلى الثورة الإيرانية حدثًا طارئًا أو مجرد تعاطف عابر مع إسقاط شاه إيران سنة 1979، بل كان، في جوهره، تعبيرًا مبكرًا عن قابلية الجماعة للالتقاء مع أي مشروع (ثوري) يرفع شعار الإسلام السياسي، حتى لو قام على مرجعية مذهبية مختلفة في دراسة أكاديمية عن موقف التنظيمات الإسلامية المصرية من الثورة الإيرانية ذكرت بوضوح أن جماعة الإخوان أعلنت في البداية دعمها الصريح للثورة الإيرانية، وانتقدت استقبال الشاه في مصر بعد مغادرته طهران، كما رأت الحركة في الثورة الإيرانية على لسان مرشدها عمر التلمساني أنها دليلًا على انتصار المشروع الإسلامي، كما قام وقيادات أخرى بزيارة إيران أكثر من مرة بدءا من سنة 1979 وما بعدها.
هذا التقارب المعلن والمبكر للثور الإسلامية في إيران لم يكن وليدَ موقف سياسي فقط، بل سبقته وتغذّت عليه أرضية فكرية. وهنا يذكر مركز كارنيجي أن كتابات سيد قطب، ولا سيما تصوره للإسلام وحكم التنظيمات الإسلامية لدوله بوصفها أنظمة ثورية للحكم وقيادة المجتمع، هذه الكتابات وغيرها لمفكري حركة الإخوان المتشددين لاقت صدى لدى قيادات في الثورة الإيرانية، حتى أن “إيران برايمر” التابع لمعهد الولايات المتحدة للسلام أكد أن علي خامنئي ترجم إلى الفارسية عدة كتب لسيد قطب، وأن لدى القيادة الإيرانية “تعاطفًا خاصًا” مع الإخوان المسلمين.
حضور واسع
وخلال مسيرة امتدت منذ عام 1979، لم تكتفِ إيران ببناء نموذجها في الداخل، بل مارست حضورًا واسعًا في عدد من الساحات العربية، من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن، وصولًا إلى محاولات التأثير غير المباشر في بيئات خليجية. هذا الحضور لم يكن مجرد سياسة خارجية تقليدية، بل جزء من تصور أوسع لدور الدولة يتجاوز حدودها، ويعتمد على مزيج من النفوذ السياسي، والدعم العسكري، وبناء شبكات حليفة اعتمدت أفكار ومشاريع مذهبية بقصد تفكيك الوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي لهذه الدول.
التجربة الإيرانية تثير سؤال تحليلي مهم يدور حول المسار المتبع إيرانيا طيلة 47 عاما، ذاك هو هل أن النموذج الذي بشّر به الإسلام السياسي للإخوان وسار على هديه قادة الثورة الإسلامية الإيرانية قد بلغ ذروته ثم انحرف؟ أم أنه كشف منذ البداية عن محدوديته؟ فإيران رغم استفادتها من بعض المفاهيم التي تداولتها حركة الإخوان المسلمين إلا أنها وقعت بذات الفخ العقائدي والفكري للحركة حين سعت إلى بناء نموذج «الدولة الصلبة» التي وضعت كلها تحت قبضة المرشد الأعلى وبس النفوذ من خلال السياسات شديدة التعسف تجاه المعارضين. وبهذا المعنى، فإن التجربة الإيرانية رفعت شعارات مشتركة أساسها «الإسلام هو الحل» لكنها قادت إلى مسارات متباينة جذريًا، ذاك أن الانتقال من “الإسلام كفكرة” إلى “الإسلام كدولة” يفترض تحولات عميقة لم تنته إلى نتائج تشبه الأدبيات المتبناة. ومع ذلك فإن ما يمكن اعتباره “فشلًا” لا يتعلق بتبنّي إيران لأدبيات الإخوان فقط، بل بعجز تلك الأدبيات نفسها عن تقديم «نموذج دولة» قابل للتطبيق دون أن يتحول عند التطبيق إلى صيغة مختلفة تمامًا، كما حدث في الحالة الإيرانية.
إذن حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979، بدت في الوعي الإسلامي العام انتصارًا لفكرةٍ طالما تبناها الإسلاميون: إمكان تحويل الدين إلى سلطة. لذلك لم يكن مستغربًا أن تُبدي جماعة الإخوان المسلمين تعاطفًا واضحًا مع الثورة، وأن تُقرأ طهران بوصفها دليلًا على أن “الإسلام السياسي” قادر على كسر احتكار الدولة الحديثة. لقد وجدت الجماعة في الحدث الإيراني تأكيدًا رمزيًا لفرضيتها المركزية تقوم على نقد الحداثة الغربية، ورفض العلمانية، واستدعاء مفهوم “الحاكمية”، حتى بدت مجريات الأمور وكأن الطرفين يتحدثان لغة واحدة لكن هذه اللغة لم تفض إلى تأسيس مشروعً واحد؛ حيث الثورة التي لم تكتف بإسقاط النظام، بل سارعت إلى بناء نظام بديل قائم على “ولاية الفقيه”، أي على مركز قرار واضح ومرجعية نهائية. بهذا المعنى، حسمت إيران سؤال: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وكيف تُدار الدولة؟ فيما ظل الإخوان في منطقة بينية مؤشراتها تنظيم واسع وحضور اجتماعي، وخطاب تعبوي مؤثر، لكنهم لم يقدّموا تصورًا نهائيًا لبنية الدولة. هل هي دولة دعوة أم دولة مؤسسات؟ ما موقع التعدد داخلها؟ أين يقف القرار النهائي؟ وحتى اليوم لم تستطع الحركة وضع إجابات واقعية لهذه الأسئلة بما جعلها تتخب في تجارب كثيرة أهمها التجربة المصرية ثم محاولات صادمة لإثارة الفتنة في النسيج الوطني لبعض دول الخليج العربي.
إيران ومهما اختلفنا مع نموذجها قدّمت إجابة حاسمة لطبيعة «الدولة» المنشودة وهي سلطة مركزية واضحة، ومؤسسات تدور حولها. هذه الإجابة مكّنتها من الاستمرار، لكنها حملت معها أيضًا نزعة إقصائية وتضييقًا على التعدد. فيما تعامل الإخوان مع الدولة بوصفها مساحة يمكن إدارتها بأدوات الدعوة والتنظيم، لا بوصفها بنية مستقلة لها منطقها الخاص. وحين اقتربوا من السلطة، ظهرت فجوة بين الخطاب والقدرة، بين الشعار وإدارة التعقيد من هنا لم تتوقف التجربة الإيرانية عند الداخل. فبالتوازي مع بناء الدولة، سعت طهران إلى توسيع نفوذها عبر الإقليم من خلال دعم فاعلين غير دولتين وشبكات حليفة في عدد من الساحات العربية. هذا النمط من التمدد وفّر لها أوراق قوة، وعمقًا استراتيجيًا، وقدرة على المناورة بينما تجربة الإخوان مع الحكم حصلت بعد ما سميت بـ «الربيع العربي» بداية العقد الثاني من القرن الحالي، حيث أتيحت للإخوان فرصٌ للاحتكاك المباشر بالسلطة. وهنا ظهر السؤال الذي تم تأجيله طويلًا: كيف تُدار الدولة؟ لم يكن التحدي في الوصول إلى الحكم، بل في القدرة على تثبيته ضمن مؤسسات مستقرة، وإدارة التعدد، وبناء توافقات مستدامة وفي هذه التجربة بدا أن النموذج الإخواني يفتقر إلى تصور مؤسسي مكتمل وإلى أدوات لإدارة الصراع السياسي داخل الدولة والأهم فصل واضح بين التنظيم والدولة، ثم انتهى هذا المشهد وتلك الفترة بفقدان الحكم والدولة وفق نموذج الإخوان. وحين نقول “نهاية نموذج الإخوان”، فنحن لا نعني اختفاء الجماعة أو أفول حضورها الاجتماعي، بل نعني أن الصيغة التي قدّمتها للحكم بلغت حدودها. فقد كشفت التجربة أن الشعار، مهما كان قويًا، لا يتحول تلقائيًا إلى دولة.
من منظور عربي خليجي، جدلية الإخوان وإيران ليست في مجرد وجود تواصل فكري أو سياسي بين الطرفين، بل في أن هذا التقاطع كشف قابلية الجماعة لتجاوز خطابها المعلن كلما اقتضت المصلحة التنظيمية ذلك. هنا ظهرت “بوابة حماس” باعتبارها أكثر ساحات هذا التقاطع وضوحًا. فكارنيجي يصف حركة حماس بأنها الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، بينما تؤكد «رويترز» أن قيادة حماس أعلنت عام 2017 أن علاقاتها مع إيران قد رُممت بعد فترة الفتور، وأن طهران عادت لتكون “أكبر داعم” لها. كما يصف مجلس العلاقات الخارجية إيران بأنها الحليف الإقليمي الأهم لحماس.
من زاوية خليجية، فإن هذه الشبكة من التقاطعات الفكرية والتنظيمية والإقليمية فسّرت لماذا نظرت السعودية والإمارات والبحرين إلى الإخوان بوصفهم ليسوا مجرد حركة دعوية أو سياسية، بل مشروعًا عابرًا للدول يهدد بنية الدولة الوطنية ويُنتج اصطفافات إقليمية مقلقة. «رويترز» أفادت بأن السعودية صنّفت جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا في 7 مارس/آذار 2014، كما أفادت بأن الإمارات أدرجت الجماعة وفروعًا محلية لها على قوائم الإرهاب في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. والوثائق البرلمانية والحكومية البريطانية تشير أيضًا إلى أن عددًا من الدول، بينها السعودية والإمارات، اتخذت هذا المسار الرسمي تجاه الجماعة.
وليس المقصود هنا الادعاء بأن إيران “صنعت” الإخوان أو أن الإخوان صاروا ذراعًا إيرانية؛ فذلك تبسيط مخل. الأدق أن يقال إن التنظيم دخل، منذ وقت مبكر، في منطقة رمادية بين الخصومة العقائدية والتقاطع السياسي مع طهران. وهذا بالضبط ما أفقده صدقيته عند قطاعات واسعة من الرأي العام العربي: جماعة رفعت لواء “الأمة” لكنها قبلت أن تتحرك داخل خرائط نفوذ متشابكة، وجماعة تحدثت عن الهوية السنية لكنها لم تجد حرجًا في الاقتراب من مشروع ولاية الفقيه حين رأت في ذلك منفعة سياسية أو دعمًا لمحور حليف. قراءة «بروك ينغز « لمسار العلاقة تؤكد هذا التذبذب؛ إذ تُظهر كيف انتقل بعض رموز الإخوان من الإعجاب بالثورة الإيرانية إلى مهاجمة إيران وحزب الله لاحقًا، بما يعكس أن الرابط لم يكن عقديًا ثابتًا بقدر ما كان رهين الظرف السياسي.
ولهذا، فإن الحديث عن “نهاية نموذج الإخوان” لا يعني بالضرورة اختفاء الحركة تنظيميًا أو فكريًا، بل يعني نهاية وهم البراءة السياسية الذي حاول تسويقه طويلًا. فالتجربة الممتدة منذ 1979 أظهرت أن الجماعة لم تكن فقط طرفًا في صراعات الداخل العربي، بل كانت أيضًا مستعدة للتماهي مع ثورات ومشاريع خارجية ما دامت تمنحها شرعية رمزية أو عمقًا سياسيًا. وما بدا في بدايات الثورة الإيرانية “تضامنًا إسلاميًا” انكشف مع الزمن على أنه تقاطع بين مشروعين أمميين، كلاهما يتجاوز الدولة الوطنية ويطمح إلى إعادة هندسة المجال العربي وفق منطق أيديولوجي.