الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءةٌ وتأويل في قصيدة (لا نارَ في المدخنة) للشاعر عبد المنعم حمندي
رياض عبدالواحد


قراءةٌ وتأويل في قصيدة (لا نارَ في المدخنة) للشاعر عبد المنعم حمندي

رياض عبدالواحد

 

المقدمة:

لا تقف هذه القصيدة عند تخوم التمثيل الشعري للحرب بل تنزاح إلى مستوى أعمق حيث تُصبح اللغة نفسها ميدانًا للصراع لا أداةً لوصفه. إننا لا نقرأ نصًا عن الدمار لكن نعاين تفككًا داخليًا في بنية الإدراك: العالم لا يُفهم، بل يُختبر بوصفه ارتباكًا دائمًا بين ما يُرى وما يُقال. ومن هنا، فإن قصيدة (لا نار في المدخنة) لا تكتب الحرب بقدر ما تكشف عجز اللغة عن احتوائها فتغدو المفردات شظايا دلالية تتطاير داخل وعيٍ مثقوب.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة هذا النص لتشمل مستويات لسانيًة إذ تنهار العلاقة بين الدال والمدلول؛ وسيميائيًة إذ تتبدل العلامات وتفقد استقرارها؛ وتداوليًة إذ يُخدع المتلقي داخل خطاب يراوغ الحقيقة؛ ونفسيًة حين يتكلم اللاوعي الجمعي بصوت الموتى لا الأحياء.

 النصيص بوصفه مفارقة لسانية وانزياحًا دلاليًا:

(لا نار في المدخنة) ليس مجرد عتبة بل بنية لغوية قائمة على نفيٍ يُفرغ العلامة من وظيفتها. المدخنة، في نظامها الدلالي الطبيعي، علامة على الاحتراق، على الدفء، على الحياة المنزلية. لكن نفي النار عنها لا يخلق فراغًا فحسب لكن يُنتج فائضًا دلاليًا: ماذا يعني وجود أثرٍ بلا سبب؟ ماذا يعني شكلٌ فقد وظيفته؟

لسانيًا، نحن أمام تفكيك للعلاقة الاعتباطية بين الدال والمدلول؛ إذ تبقى (المدخنة) دالًا قائمًا، لكن مدلولها (النار) يُسحب منها، فتتحول إلى علامة ميتة، أو بالأحرى إلى قناع لغيابٍ كثيف. وهذا ما ينسحب على النص كله: العالم مليء بالأشكال (خرائط، نياشين، حدود) لكنه فارغ من معانيه الأصلية.

 الجغرافيا بوصفها جسدًا متداعيًا

 من الخريطة إلى اللحم الرمزي:

في مقطع:

(هَلْ تَضيقُ الخَريطَةُ حينَ تَمُرُّ العَساكِرْ؟)

لا يُطرح السؤال بوصفه استفهامًا معرفيًا لكن بوصفه انكسارًا في بديهيات الإدراك. الخريطة، التي يُفترض أنها تمثيل ثابت تتحول إلى كائن عضوي يتأثر، يضيق، ينكمش. هنا يحدث انتقال نوعي: من الجغرافيا بوصفها نظامًا رمزيًا إلى الجسد بوصفه مجالًا للألم.

إن الخريطة في هذا السياق ليست أرضًا بل ذاكرة، وليست حدودًا، بل أعصابًا. وعندما (تستبدل الحدائق بالمقابر)، لا يحدث فقط تدمير مكاني بل إعادة كتابة للواقع بلغة الموت. هذا (الاستبدال) ليس فعلًا ماديًا غير انه عنف دلالي يُعيد تعريف الحياة نفسها.

 تفكك القيمة

 من البطولة إلى الاقتصاد الرمزي الزائف:

(قايَضوا كُلَّ أَحْلامِهِمْ بِنياشينَ مِنْ تَنَكٍ وَغُبارْ)

في هذا الموضع، تدخل القصيدة في تفكيك البنية القيمية للحرب. النياشين، التي تمثل تقليديًا ذروة الاعتراف، تُفرغ من معناها وتُختزل إلى مادة رخيصة. نحن أمام اقتصاد رمزي مختل: الأحلام (كقيمة وجودية) تُستبدل بأشياء فاقدة للجوهر.

وهنا يمكن توسيع القراءة إلى مستوى تداولي: الخطاب الحربي يَعِدُ بالبطولة لكنه يمنح بديلاً هشًا ، بمعنى أن هناك خديعة لغوية تُمارَس على الوعي الجمعي إذ تتحول اللغة إلى أداة إقناع لا أداة كشف.

 صوت الموتى:انقلاب في مركز الخطاب

(يَسْأَلُ المَيِّتونَ النَّواويسَ...)

هذا التحول من الأحياء إلى الموتى ليس مجرد تقنية بلاغية لكنه إعادة توزيع للسلطة داخل النص. من يملك الحق في السؤال؟ من يملك الحقيقة؟ حين يتكلم الموتى، فإننا نكون أمام لاوعي جمعي يطفو إلى السطح، أمام ذاكرة لم تعد قابلة للكبت.

إن السؤال: (من كسب الحرب؟) يفقد معناه داخل هذا السياق، لأن البنية التي تُنتج مفهوم /الربح/ قد انهارت. وهنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات النص: الحرب لا تُنتج منتصرين، بل تُنتج فقط روايات متناقضة عن النصر.

 السلام بوصفه خدعة لغوية: تفكيك التداول السياسي

(سَلامٌ؟ كَأَنَّ السَّلامَ صَلاةْ...)

الاستفهام هنا لا يطلب إجابة، بل يشكك في المفهوم نفسه. السلام يتحول إلى طقس، إلى ممارسة شكلية لا تغير الواقع. أما الهدنة، فتُختزل إلى (دخان) أي إلى أثر احتراق، لا إلى نهايته.

تداوليًا، هذا يعني أن الخطاب السياسي لا يصف الواقعغير انه يعيد إنتاجه بنحو مضلل. (السلام) ليس نهاية الحرب لكن شكل آخر من استمرارها، ولكن بلغة أكثر نعومة.

 المسرحة السياسية

 العالم بوصفه عرضًا مُدارًا:

(يُصافِحُ قاتِلُهُ.. في الخَفاءِ)

في هذا المشهد، تبلغ القصيدة ذروتها التأويلية. السلطة لا تظهر كفاعل مباشر، بل كمخرج خفيّ يدير المشهد. المصافحة ليست فعل مصالحة، بل إشارة إلى تواطؤ غير مرئي.

أما الجنود، فيُتركون مع (حلم الضحية)، أي مع بقايا سردية لا تخصهم. وهنا يتكشف البعد التداولي مرة أخرى: من ينتج الخطاب؟ ومن يُجبر على استهلاكه؟

 الانقسام المعرفي

 الشرق والغرب بوصفهما فراغين دلاليين:

(فَلا "الشَّرْقُ" يَعْرِفُ مَنْ نَصَرَهُ

وَلا "الغَرْبُ" يُدْرِكُ سِرَّ القَضِيَّةْ)

هذا ليس انقسامًا جغرافيًا، بل انهيار في أنظمة المعرفة. المصطلحات الكبرى (شرق/غرب) تفقد قدرتها التفسيرية، وتتحول إلى قوالب فارغة.

إننا أمام عالم لم يعد يفهم نفسه إذ تتفكك السرديات الكبرى ولا يبقى سوى شظايا من المعاني المتناثرة.

الخاتمة:

 القصيدة كأرشيف للانهيار لا كخطاب للمعنى:

يمكن القول إن (لا نار في المدخنة) ليست قصيدة عن الحرب بل عن استحالة قولها. إنها نص يُعرّي اللغة وهي تفشل، ويكشف أن ما نملكه ليس حقيقة، بل محاولات متعثرة لتسميتها.

السؤال الختامي:

(هَلْ رَبِحْنا؟ يَسيلُ السُّؤالُ دَماً)

لا يُغلق النص، بل يفتحه على جرحٍ دائم. فالسؤال نفسه لم يعد بريئًا، بل صار جزءًا من النزيف.

بهذا المعنى، تتحول القصيدة إلى جهاز إنذار لغوي، لا يقدّم إجابات، بل يكشف أن كل إجابة ممكنة قد تلوثت سلفًا. إنها مرآة لا تعكس العالم، بل تعكس عجزنا عن رؤيته.

 

النص الأصلي

 ( لا نارَ في المِدْخَنَة)

......

 هَلْ تَضيقُ الخَريطَةُ حينَ تَمُرُّ العَساكِرْ

أَمْ تَمُدُّ الحَرائِقُ أَرْجُلَها في الحَدائِقِ..

 فَاسْتُبْدِلَتْ بِالمَقابِرْ؟

دَفَنَتْ كُلَّ أَزْهارِها في اللُّحودْ

هِيَ واسِعَةٌ.. غَيْرَ أَنَّ الجُنودْ

قايَضوا كُلَّ أَحْلامِهِمْ بِنياشينَ مِنْ تَنَكٍ وَغُبارْ

يَسْأَلُ المَيِّتونَ النَّواويسَ:

مَنْ كَسَبَ الحَرْبَ وَالِانْتِصارْ؟

مَنْ أَلْبَسَ الخَوْفَ ثَوْبَ المَنارْ؟

هِيَ الحَرْبُ.. تَقْضُمُ أَعْمارَنا

وَيَغْفو عَلى صَدْرِنا.. الِانْكِسارْ

سَلامٌ؟ كَأَنَّ السَّلامَ صَلاةْ

فَلا "الهُدْنَةُ" الآنَ..

إِلَّا دُخانُ الَّذي فازَ بِالمِدْخَنَةْ

يَسْقُطونَ.. وَلا يَعْرِفونَ لِمَنْ

يَرْسُمونَ الحُدودَ بِلَوْنِ الشَّجَنْ

يَمْضَغونَ الرَّصاصَ بِلَحْمِ السَّرابِ

وَيَسْتَسْلِمونَ لِصَمْتِ الكَفَنْ

هَلْ رَبِحْنا؟ يَسيلُ السُّؤالُ دَماً

فَوْقَ رَمْلٍ غَريبٍ، يُؤَرَّخُ فَوْقَ القُبورِ

هَزيمَةُ مَنْ ظَلَّ.. أَوْ مَنْ دُفِنْ!

 .....

 هُناكَ.. وَراءَ البِحارِ البَعيدَةْ

يَخُطُّ الوُحوشُ التَّغاريدَ

أَوْ يَرْسُمونَ عَلى الأَرْضِ

حَرْباً جَديدَةْ

سَيَبْقى التُّرابُ يَئِنُّ

وَيَحْبِسُ أَنْفاسَ نارٍ شَديدَةْ

وَبَيْنَهُما.. يَرْحَلُ الجُنْدُ سَهْواً

بِلا أَيِّ نَصْرٍ.. وَلا رَقْصَةِ ذِئْبٍ

عَلى جُثَّةٍ لَمْ تَزَلْ.. بِانْتِظارِ المَكيدَةْ

 ....

 عَلى شَفَةِ الوَقْتِ.. كَالْمُعْجِزاتِ

يَموتُ البَديلُ..

وَلا يُكْسَرُ في صَمْتِهِ نَرْدُ الطُّغاةِ

يُوَقِّعُ ذِئْبٌ.. لِذِئْبٍ صَفِيٍّ

وَيَشْرَبُ نَخْبَ الدِّماءِ.. الخَبَرْ

لِكَيْ يَسْتَفيقَ.. رَصاصٌ أَمَرّْ

يَموتُ "الفَراغُ".. وَلا يَعْلَمونْ

لِمَنْ يُرْفَعُ النَّخْبُ.. فَوْقَ الظُّنونْ

سَلامٌ هُوَ الآنَ.. صَمْتُ المَزادِ

وَبيْعُ الرَّمادِ.. لِمَنْ يَشْتَرونَ الجُنونْ

وَنَغْفو.. لِيَسْتَيْقِظَ الثَّمِلونْ!

 .....

 عَلى مِقْعَدٍ مِنْ زُجاجٍ صَفيقٍ

يُرَتِّبُ فَصْلاً جَديداً مِنَ المَسْرَحِيَّةْ

يُصافِحُ قاتِلُهُ.. في الخَفاءِ

وَيَتْرُكُ لِلْجُنْدِ.. حُلْمَ الضَّحِيَّةْ

فَلا "الشَّرْقُ" يَعْرِفُ مَنْ نَصَرَهُ

وَلا "الغَرْبُ" يُدْرِكُ سِرَّ القَضِيَّةْ.


مشاهدات 71
الكاتب رياض عبدالواحد
أضيف 2026/04/21 - 2:14 PM
آخر تحديث 2026/04/22 - 4:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 174 الشهر 18520 الكلي 15236593
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير