قصّتُنا تُشبِهُ مدينتَنا …
نجلاء جميل
فلسطين -غزة
ذلكَ الامتدادُ الصامتُ الذي يظلُّ يستوعِبُ كلَّ شيءٍ : أصواتًا لم تُسمَعْ، وخطواتٍ لم تُتَّخَذْ، ووجوهًا لم تُعرَفْ أسماؤها بعد .
الشوارعُ فيها تميلُ إلى الظلِّ،
وكأنَّ كلَّ زاويةٍ تخفي سرًّا لا يريدُ أن يُكشَفْ،
جدرانُها تحتفظُ بأثرِ المطرِ والدموعِ القديمةِ،
وتعرفُ كيف تُخبِئُ الحكاياتِ التي لم يجدْ أحدٌ وقتًا لسماعِها.
في الأزقّةِ الضيّقةِ،
يبدو الزمنُ متوقِّفًا،
لكن .. كلَّ حجرٍ، وكلَّ جِدارٍ ،
يحملُ ذاكرةً ما، لم تعدْ موجودةً.
الأبوابُ نصفُ مغلقةٍ،
النوافذُ نصفُ مضاءةٍ،
والهواءُ يحملُ صوتًا من الماضي
يذكّرُ مَن مرّ هنا ، بأن شيئًا ما قَد فُقِدَ،
لكنَّ الخسارةَ لا تُقالُ، ولا تُرى،
تبقى بينَ السطورِ، تنتظرُ مَن يعرفُ كيف يقرؤها.
الفجرُ غائبٌ ،
والليلُ يَطول ، لا يَعرفُ النهارُ وجهه
يمشي بهدوءٍ فوقَ الحجارةِ،
يتحسّسُ كلَّ حزنٍ قديمٍ
لا يريدُ إيقاظَه،
ومع ذلك…
يتركُ في الخلفِ أثرًا
يشبهُ تنهيدةً عالقةً
بينَ الملامحِ والعمقِ.
في الساحاتِ القديمةِ،
تُقيمُ الفراغاتُ بلا أسماء،
وتتدلّى من الأسلاكِ والخيوطِ
رسائلُ لم تصلْ أحدًا،
تلوحُ في الهواءِ بلا صوتٍ،
وتتركُ أثرَها الخافتَ على كلِّ من مرّ بها.
الريحُ تتسلّلُ من بينِ الجدرانِ،
تفتحُ صفحاتِ كتابٍ ممزّقٍ،
كتاب لم يعدْ أحدٌ يعرف متى بدأَ، أو متى انتهى،
أثره يبقى يوجعُ كلَّ مَن يقرؤه.
في أطرافِ المكانِ،
تجلسُ المساحاتُ التي لم يعشْها أحدٌ،
لكنها ما زالتْ تتصرّفُ كما لو أنَّ أحدًا لم يتركها،
تُكوّرُ نفسها في صمتٍ،
تختبرُ صبرَ مَن يمرّ عليها،
تُخبرُ مَن يقترب، أنّ الخسارةَ أعمقُ من أن تُمحى.
ومع مرورِ الأيامِ،
تُعلّمُ المكانُ كيف يحافظُ على ما تبقّى من نفسه،
كيف يُعيدُ ترتيبَ ما تهشّم،
كيف يلتقطُ الحكاياتِ التي سقطتْ بلا أحدٍ،
ثم يضعُها في مكانٍ لا يُرى إلا
لمن يعرف كيف يلتفتُ إلى الصمتِ
وفي نهايةِ المساءِ،
يظلُّ الضوءُ الخافتُ يلمسُ الحجرَ،
والريحُ تمرّ بينَ الفراغاتِ،
والأصواتُ الغائبةُ تتردّد كما لو أنّ كلَّ شيءٍ ما زالَ حيًّا ..