الموقف الخليجي من الحرب.. الحياد المستحيل ومنطق التموضع
محمد علي الحيدري
تُقدَّم المواقف الخليجية من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران غالباً ضمن ثلاث خانات نظرية: الاصطفاف مع إيران، أو الحياد الصارم، أو الانحياز غير المعلن إلى إحدى الجبهتين. غير أن هذا التقسيم، على بساطته الظاهرية، يُخفي حقيقة أكثر تعقيداً، مفادها أن هذه الخيارات لم تكن متكافئة في الواقع، وأن بعضها لم يكن متاحاً أصلاً إلا على مستوى الخطاب.
فالحياد، بوصفه موقفاً سيادياً كاملاً، لا يُقاس بنبرة البيانات ولا بعبارات “الدعوة إلى التهدئة”، بل بالقدرة الفعلية على منع استخدام الأرض، والأجواء، والبنى التحتية، والدور الجيوسياسي للدولة في الصراع. وبهذا المعنى، فإن الحياد الخليجي لم يكن خياراً سياسياً قابلاً للتنفيذ، بل افتراضاً نظرياً يصطدم ببنية أمنية قائمة منذ عقود.
نظام سياسي
هذه البنية تقوم على ارتباط عضوي بالأمن الأميركي، حيث لم يعد الوجود العسكري الخارجي عنصراً ظرفياً أو قابلاً للتعليق عند الأزمات الكبرى، بل تحوّل إلى أحد أعمدة الاستقرار الداخلي وحماية النظام السياسي. وعندما يصل التحالف إلى مستوى الاعتماد الاستراتيجي، فإن هامش المناورة يتآكل، وتسقط تلقائياً فكرة الحياد عند أول اختبار حقيقي.
من هنا، لا يمكن فهم الانحياز الخليجي - ولو غير المعلن - إلى الجبهة الأميركية - الإسرائيلية بوصفه قراراً ظرفياً فرضته لحظة الحرب، بل باعتباره تعبيراً عن تموضع طويل الأمد داخل معادلة إقليمية محددة. تموضع يرى أن إدارة المخاطر تمر عبر الانخراط في النظام الذي تقوده واشنطن، لا عبر تحدّيه أو الوقوف على مسافة واحدة منه ومن خصومه.
أما العامل الطائفي، فقراءته بوصفه محرّكاً مباشراً للقرار تظل قراءة تبسيطية، لكنه في المقابل لا يمكن إنكاره كعامل مُسهِّل ومُسرِّع. فهو لا يصنع الموقف من الصفر، لكنه يخفف كلفته السياسية والنفسية، ويمنح الانحياز غطاءً ثقافياً ضمنياً، حتى وإن جرى إنكار ذلك في الخطاب الرسمي. فالخلاف لم يكن يوماً سياسياً صرفاً، بل جرى تأطيره طويلاً ضمن سرديات تهديد هوياتي، ما جعل الصدام أو القبول باستهداف الطرف الآخر أقل حساسية في الوعي العام والنخبوي.
الأعمق من كل ذلك أن ما جرى ويجري لا يعكس موقفاً من حرب بعينها، بل صداماً بين مشروعين للمنطقة:
مشروع يرى الاستقرار مرهوناً بإدارة أميركية - غربية للنظام الإقليمي، حتى لو كان ذلك على حساب سيادة الدول الأخرى،
ومشروع آخر، بغضّ النظر عن الموقف منه، يتموضع خارج منظومة الضبط الأميركية التقليدية، ويسعى إلى كسر احتكار إدارة الإقليم وفرض توازنات جديدة لا تُصاغ قواعدها من خارج المنطقة.
في هذا السياق، يبدو الانحياز الخليجي أقل تعبيراً عن قناعة بالحرب وأكثر تعبيراً عن خوف من مآلات كسر النظام القائم. لكنه في المقابل انحياز يراكم أثماناً مؤجلة، لأن الرهان الدائم على إدارة خارجية للأمن لا يلغي المخاطر، بل يؤجل انفجارها، ويُبقي القرار الإقليمي رهينة معادلات لا تُصاغ داخل المنطقة ولا لمصلحتها بالضرورة.